
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
68التقرّب إلى الله، فيعطيه الله الأجر والثواب على قيامه بهذا الفعل ويجزيه خيرًا بذلك، وأمّا تلك الأعمال التي صدرت منه تبعًا للخيال والهوى والاستكبار، وقامت على أساس الأنانيّة والفرديّة والجهالة، فسوف يُحاسب عليها ويُطالب بها ويُسأل عنها، فكلا الفريقين سيُحاسب ويُجازى على أعماله ﴿وَ ما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾۱، فالحساب والجزاء سيكون على أساس نفس العمل الذي صدر منك في دار الدنيا، وكيفيّة هذا العمل هي التي ستُعيّن لك الأجر وتحدّد لك الثواب.
وبناءً على ذلك فأولئك الأشخاص الذين قد وصلوا من خلال المراقبة والمجاهدة في طريق الحقّ والانقياد الكامل للأوامر الإلهيّة وطلب درجات القرب إلى مراتب عالية، بحيث لم يعد لديهم شيء من الشوائب النفسانيّة وملكات النفس وصفاتها الرذيلة، والذين رفضوا جميع الحيثيّات وجهات عالم الكثرة والتعلّقات فرحلوا عن عالم الدنيا والتوجّه لها، ونصبوا خيامهم في حرم حضرة المعبود وحطّوا رحالهم في ساحته، فخرجت نفوسهم من عالم الجزئيّة وتعلّقت بالكلّية؛ فهؤلاء لم يعد لديهم نفس أصلًا حتّى يُقاس عملهم ويُوزن من خلالها، كما أن فعلهم في هذه الدنيا لم يعد فعل بشرٍ عاديٍّ وإنسانٍ طبيعيٍ. وبما أنّ هؤلاء قد صارت أنفسهم مندكّةً وفانيةً في ذات الله، فقد أصبحت جميع صفاتهم وملكاتهم صفاتٍ منبعثةً من عالم القدس وملكاتٍ مترشّحةً من أسماء وصفات حضرة الحقّ تعالى، وسيكون عملهم خارجًا عن دائرة الوزن والقياس، وهو منتسبٌ إلى ذات الله تعالى، وسرّ عدم تعلّق الأجر بأعمالهم أنّ الله لا يعطي أجرًا على الفعل الصادر من نفسه ولا يجازي عليه، بل الأجر والثواب إنما يتعلّقان بالأشخاص الذين يقومون بأعمالهم بشكلٍّ مستقلٍّ، وبعنوان أنّ لهم ذاتًا متشخّصةً ومتفرّدةً قد صدر منها العمل في مقام الطاعة والانقياد، لا بذاك الشخص الذي يكون فعله فعل الله وعمله عمل الله، وحركاته وسكناته كلّها عبارةً
- سورة الصافّات (٣۷)، الآية ٣٩.
