
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
66في هذا البُعد من المسألة أن تقصر يد الشيطان ويقلّ نفوذه على النفس من خلال إزالة الأرضيّة المناسبة لها. والسبيل إلى ذلك والوسيلة إليه هو إطاعة الأوامر الإلهيّة والانقياد التامّ للباري تعالى، ومراقبة الأعمال والتصرّفات والأفكار في أكمل مراتب المراقبة والانقياد. وفي هذه الصورة ستتلاشى الأجواء المناسبة لتعلّق النفس بالدنيا وبالكثرات شيئًا فشيئًا، وسوف يتضاءل ذاك الشغف وتقلّ جاذبيّة تلك الأمور وسحرها، وسوف ينقلب ذاك العطش والوله لنيل الأهواء الباطلة والجاذبيّات الأخّاذة للنفوس البشريّة إلى حالةٍ من عدم الاعتناء والانصراف عن هذه الأمور كلّياً والاشمئزاز منها والابتعاد عنها، وشيئًا فشيئًا ستصل النفس البشريّة من خلال حركتها نحو عالم القرب إلى مرتبةٍ تتخلّى معها حتّى عن التعلّق بذاتها، وعندها يندكّ وجود هذا الإنسان بوجود الحقّ، ولا تبقى له نفسٌ وذاتٌ مستقلّةٌ عن ذات حضرة الحقّ كي تكون محلًّا لحصول الميل نحو الكثرات والعوالم الموبقة المهلكة أو عدم حصوله.
وعندها -بعد أن يفقد الشيطان الأرضيّة المناسبة للغواية والإضلال- سيُقيم مأتماً على فقدانه القدرة على إضلال هذا العبد الصالح المطيع لله، وسيندب حظّه على هذه الخسارة الفادحة وعلى عدم التوفيق في القيام بمهمّته في إضلاله وإغوائه، وبالتالي سيرفع يده عنه ويكل أمره إلى الله؛ لأنه لم يعد لديه أملٌ في الدخول إلى حريم هذا الإنسان، فحريم هذا الإنسان غدا حريم الله وقلبه قلب الله وسرّه سرّ الله، والشيطان لا يستطيع أن يتعدّى أو يتطاول على حريم الله وسرّه وذاته بأن يضلّه ويغويه!
وهنا نفهم هذه المسألة المهمّة وهي كيفيّة تحديد المحلّ الصحيح للهداية والإرشاد، وكيف يسوق الله تعالى الإنسانَ نحو هذه التربية وهذا الإرشاد الخاص، وسيتبيّن لنا كيف أنّ هذا القانون مبنيّ على أُسس المنطق السليم وحكم العقل، وهو أنّه: يجب أن تكون الهداية من خلال شخصٍ بعيدٍ عن متناول الشيطان، منزّهٍ عن وسوسته وإغوائه بحيث لا يكون له أيّ تأثيرٍ أبدًا في أعمال هذا الشخص وتصرّفاته
