
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
64بشكلٍّ مميّزٍ حتّى حينما يقوم الإنسان بعملٍ صحيحٍ وحتّى عند الإقدام على فعلٍ حقٍّ أو التكلّم بكلامٍ صدقٍ، لكنّ حضوره هذا يكون بشكلٍّ مخفيٍّ وغير علنيٍّ، بحيث لا يمكن تشخيص ذلك من قبل النّاس بسهولة، إلّا لبعض الأشخاص الخاصّين الذين شملهم اللطف الإلهي وأحاطت بهم العناية الربّانيّة، فعرّفتهم بوجود هذا الشيطان الخفيّ ونبّهتهم لحضور هذا الموجود المُغوِي، وسوف يأتي ذكر هذه الأمور لاحقًا إنشاء الله.
في هذه الآية الشريفة يُقسِم الشيطان أنّه سيُضلّ جميع عباد الله ويغويهم، لماذا؟ لأنّ تعلّق النفس الإنسانيّة بالكثرات قد فتح الطريق وهيّأه أمام نفوذ الشيطان إلى حريم قلب الإنسان وضميره، ومن هنا، إذا ما اجتمعت هاتان المقدّمتان وهما:
الأولى: وجود بعض الأمور التي تهيّئ الجوّ المناسب والأرضيّة الخصبة لنفوذ الشيطان وسيطرته على الإنسان، وهي: تعلّق النفس بالدنيا وزخارفها التي تشمل طلب الرئاسة، والمصالح الشخصيّة، وحبّ الذات واكتساب المنافع دون حدٍّ أو حصرٍ، والتعدّي على حريم الآخرين للوصول إلى الآمال الدنيويّة، وسلب حقوقهم لكي ينال آرائه الباطلة وأهواءه الفاسدة، واستعباد الناس وتسخيرهم في خدمة المنافع والميول الشخصيّة. ويمكن اختصار ذلك كلّه في جملة واحدة هي: تحميل رغبته ورأيه وهواه وهوسه وتغليبها على حقوق سائر الناس وإرادتهم وآرائهم ونظراتهم و ....
الثانية: الإشراف الكلّي للشيطان على الإنسان، وإحاطته الوجوديّة بصفاته واطّلاعه الواسع على ملكاته وجميع شراشر وجوده، ممّا يجعله أقدر على التدبير ومعرفة طرق إغواء الإنسان وإضلاله، ويمنحه القدرة على الدخول في حريم الإنسان، في أيّ مرتبةٍ ومرحلةٍ من مراتب وجوده ومراحل كماله. ولا يوجد أبدًا أحدٌ خارجٌ عن هذه القاعدة ومستثنى من هذا الحكم؛ سواءٌ في ذلك العالمُ والجاهلُ، والفقيهُ المجتهدُ والمقلّدُ العاميّ، والسالكُ وغيره، وسواءٌ كان رجلًا أم امرأةً، أو
