
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
328أساس تطابقها مع المصالح الواقعيّة، بل المصلحة تأتي في مرحلةٍ متأخّرةٍ عن فعل الحقّ وخلقه لا في مرحلةٍ متقدّمةٍ. وبعبارةٍ أخرى نقول: إنّ المصلحة في أعمالنا وأفعالنا نحن تأتي بعنوان العلّة الغائيّة لهذه الأفعال، إلّا أنّها في أفعال الباري ليس لها علّية بل هي تقع معلولةً لفعل الحقّ، ففعل الحقّ هو العلّة الموجدة للمصلحة، لا أنّ المصلحة هي العلّة الموجدة لفعله وإرادته تعالى.
وإذا أردنا أن نضرب مِثالًا تقريبيًّا لهذه المسألة في حدود أفعالنا وتصرّفاتنا نأخذ مثال اليد وحركتها التي هي معلولةٌ لإرادة الإنسان ومشيئته. فعندما يريد الإنسان أن يأخذ شيئًا، فإنّه يحرّك يده فيأخذ ذلك الشيء. في هذا المثال نقول: لا تُعتبر نفس حركة اليد علّةً غائيّةً للإنسان، بل إنّ العلّة الغائية له هي أخذ ذاك الشيء المراد أخذه باليد، وحركة اليد في هذه الحالة عبارةٌ عن أمرٍ معلولٍ لإرادة الإنسان واختياره، فإذا لم يُردْ الإنسان أن يأخذ ذلك الشيء، فلن تتحرّك يده نحوه أبدًا.
ولكن في بعض الأحيان تُعتبر نفس حركة اليد علّةً غائيّةً، كما إذا أراد الإنسان أن يرى يده هل تتحرّك أو لا، فقام -لاكتشاف هذا الأمر- بتحريك يده، ففي هذه الحالة صارت حركة اليد علّةً غائيّةً للحركة، بعكس الفرض الأول حيث كانت معلولةً لها.
إنّ مسألة المصلحة في فعل الحقّ هي من قبيل مسألة الحركة في الفرض الأوّل، بمعنى أنّ المصلحة ليست علّةً غائيّةً لفعل الحقّ بل هي معلولةٌ له. أمّا نحن، فنتصوّر أن الحقّ تعالى قد خلق الأشياء على أساس المصلحة والانطباق على الواقع، وهذا غلطٌ، و هنا لا بدّ من التأكيد على أنّ هذه المسألة لا علاقة لها بالقول بوجود علّةٍ غائيّةٍ بالنسبة لفعل الحقّ تعالى، فقد قام البرهان في الفلسفة على أنّ كلّ فعلٍ -سواءً كان فعل الحقّ تعالى أو كان فعل غيره من الخلق- يجب أن يكون مسبوقًا بعلةٍ غائيّةٍ، وبدونه يكون هذا الفعل لغوًا وعبثًا.
وفي ذلك يقول المرحوم الحكيم الحاج السبزواري في مبحث العلّة الغائيّة:
وكلُّ شيءٍ غايةً مُستتبِعُ *** حتّى فَواعلَ هي الطّبايعُ
