
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
289ويجب الالتفات إلى أنّ الإرشاد وإعطاء البرامج السلوكيّة في المسير نحو الله ليس منحصرًا فقط بأخذ الأوراد والأذكار والاشتغال بالأربعينيّات والأمور العباديّة، فهذا مجرّد قسمٍ بسيطٍ من دستور العمل في السير والسلوك، فالأمر المهمّ جدًا في موضوع علاقة الأستاذ بالتلميذ هو الأوامر والدستورات المتعلّقة بكيفيّة حياة السالك؛ وهذه الأمور تشمل كيفيّة علاقة السالك بعائلته وأرحامه ومعاشرته لهم، كما تشمل ارتباطه بشركائه وبمسائل المجتمع كافّة؛ إذ من المحتمل جدًا حصول الخطأ اشتباهًا في هذه العلاقات -أو لا قدّر الله- قد يحصل مثل هذا الخطأ عنادًا أو لغرضٍ، وحصول خطأٍ واحدٍ في مثل هذه الأمور كثيرًا ما يكون سببًا في مصيبةٍ لا حلّ لها، خصوصًا في المسائل الخلافيّة التي لها جذور فكريّة أو مبنائيّة أو ناتجة عن اختلاف في الطبائع و الميول، فإذا اجتمع ذلك مع انتفاء القدرة عند الأطراف على حلّ المسائل وتذليل الخلافات، وضعف القوّة العاقلة المميزة عندهم، ففي هذه الحالة لا يعلم سوى الله ما سوف يقع من الأمور!
ومع الالتفات إلى أنّ النفس الإنسانيّة قبل وصولها إلى مرتبة الفعليّة العقلانيّة، تكون رهينةً للأحاسيس والعواطف والاعتبارات على الدوام، وأنّ تحوّل النفس وتبدّلها عند حصول الحوادث المختلفة أمر طبيعيٌّ وبديهيٌّ، وعليه فإنّ القوة الوحيدة التي يمكنها أن تحفظ الإنسان من الوقوع في المهالك والفتن وتهديه إلى الطريق القويم والصراط المستقيم هي تفويض الأمر إلى عقلٍ منفصلٍ وتسليم الزمام لمربٍ حكيمٍ، فهو الذي يستطيع من خلال إشرافه على جوانب الأمور، أن يبيّن الطريق الصحيح والسبيل القويم. فإذا فُقد مثل هذا الشخص، فإنّ تبعات التعبّد بأمر شخصٍ جاهلٍ غير عالمٍ ولا مؤهّلٍ أخطرُ بمئات المرّات وأشد ضررًا من تبعات عدم التعبّد وعدم الانقياد من الأساس. وحبّذا حينئذٍ لو يبقى الإنسان جاهلًا ويظلّ في مرحلة الاعتماد على قواه الخاصّة به واستعدادته دون أن يسلّم أمره إلى مثل هذا الرجل غير المسؤول وغير المتخصّص وغير المؤهّل، ودون أن يتعامل مع حكم هذا الإنسان معاملة الواقع كما يتعامل مع الوحي المنزل، أو يعتبر اتّباعه فرضاً حتمياً عليه!
