
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
250إن همّة المولى هي أن يُحوّل وجود الإنسان النحاسي إلى ذهبٍ خالصٍ، لا أن يمنحه القدرة على تحويل النحاس الخارجي إلى ذهبٍ. إنّ المولى بحرٌ زاخرٌ ومحيطٌ واسعٌ لا ساحل له، إنّه التجلّي الأعظم للباري تعالى، و هو مستغرقٌ في بحار التوحيد، وفانٍ في ذات الحقّ؛ ومن هنا، فإنّه يُعطي كلّ إنسانٍ ما يريده؛ فإذا أراد منه الجواهر، أعطاه إيّاه، وإن أراد منه لؤلؤًا وألماسًا، منحه ذلك؛ إذ لا فرق لديه أيَّ شيءٍ يعطي، لأنّه لا يعطي شيئًا من عنده حتّى يأسف لفقدان ما يمنحه ويتخلّى عنه، بل هو يعطي من مائدة الحقّ تعالى وهي لا حدّ لها، فهو واسطةٌ والأصلُ شخصٌ آخر، وهو آلة للحقّ بينما حقيقة الوجود تنشأ من الحقّ، و من الواضح أنّ آلة الحقّ وواسطة الحقّ لا إرادة لها أو اختيار من تلقاء نفسها، بل هو متحقّقٌ وموجودٌ بوجود الحقّ، فعدم محدوديّته إنّما هي لعدم محدوديّة الحقّ تعالى؛ فهو مطلقٌ بإطلاق الحقّ، وهو مفيضٌ بإفاضة الحقّ، لا أنّه غير محدودٍ بالاستقلال؛ مثل الباري تعالى وفي عرضه، أو أنّه مفيضٌ مثل إفاضة الله، فهذا عين الشرك والكفر، والسرّ في ذلك أنّه لا اثنينيّة في عالم التحقّق والوجود؛ فليس لدينا مفيضان وليس لدينا معطيان، بل المُفيض والمُعطي واحدٌ فقط وهو الحقّ تعالى؛ ولذا نجد أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن يرى صدور هذا الفيض وهذه العناية من نفسه، بل كان يراها من الله. فإن كان الأمر كذلك، فـ:
«گر گدا كاهل بود تقصير صاحب خانه چيست؟!»
[يقول: إن كان المستعطي كسولًا فما ذنب صاحب المنزل؟!].
يقول المرحوم الوالد قدس سره نقلًا عن المرحوم آية الله الحاج الشيخ عباس هاتف القوچاني (وصي المرحوم السيّد القاضي رضوان الله عليهم): يقول المرحوم السيّد القاضي:
«عندما كنت أذهب للتشرف بزيارة حرم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، كنتُ أرى على مدى أياٍم متوالية أحد الدراويش جالسًا قرب الصحن المطهّر، وكان يجلس ساكتًا مشغولًا فقط بالنظر إلى القبّة المطهرة ولا يقوم بأيّ عملٍ آخرٍ، وكان هذا شغله طوال هذه المدّة، ثمّ بعد فترةٍ، وأثناء ذهابي
