
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
238إنّ البداء هو بمعنى انكشاف حقيقةٍ ما خلافًا لما كان متوقّعًا قبل ذلك؛ فبعد أنّ بيّن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عدد الأئمّة من بعده، وذكر أسماءهم واحدًا تلو الآخر، وبيّن لأصحابه خصوصيّات كلّ واحدٍ منهم بشكلٍ تفصيليٍّ .. بعد ذلك كلّه، كيف يمكن أنّ يتصوّر أنّ يحصل بداءٌ في هذا الأمر؛ بحيث أنّ النفس المقدّسة للرسول الأكرم لم تكن واقفةً على حقيقته؟!
إذن فالبداء معناه جهلُنا نحن في كيفيّة تحقّق سلسلة العلل الفاعليّة في عالم الأعيان والخارج. وأما بالنسبة للإمام عليه السلام فلا معنى للبداء أبدًا، وذلك لأنّ علم الإمام عليه السلام ناشئ من حقيقة الولاية، وكما ذكرنا فيما تقدّم فإنّ ولاية الإمام عليه السلام هي عين ولاية الحقّ تعالى، وهي ولاية لا تقبل التخلّف أبدًا، كما أنّ ولاية الباري تعالى غير قابلةٍ للتخلّف.
إنّ الولاية تعني سيطرة الباري تعالى وهيمنته وإعمال سلطته على جميع عالم الوجود، وعلى هذا الأساس، فلا يمكن أنّ يتعدّى هذا الإعمال وهذه الفعليّة للإرادة تلك الحقيقة العلميّة الأزليّة للباري أو يتجاوزها؛ ولذا فمن غير الممكن كذلك أنّ تتجاوز ولاية الإمام عليه السلام مسيرة العلم الكليّ للحقّ تعالى أو تتجاوز الممشى الأزليّ له، بل إنّ الإمام عليه السلام، من خلال إعماله لولايته، إنّما يخرج تلك الصورة العلميّة الكليّة للحقّ إلى منصّة الظهور الخارجيّ والمصداقيّ، وهذه المسألة ظريفةٌ ودقيقةٌ و عميقةٌ جدًا.
ومن هنا يُعلم أنّه ليس لدى الإمام عليه السلام أيّة إرادةٍ أو شوقٍ سوى تحقّق إرادة الباري تعالى تمامًا وبدون أيّ اختلاف، ولا سبيل أبدًا لأيّ شيءٍ في وجوده -حتّى ولو كان قليلًا- غير المشيئة الإلهيّة والإرادة الإلهيّة. وأما سائر الأشخاص الذين يمتلكون علماً ناقصًا مقتصرًا على المراحل البسيطة من العلم بسلسلة العلل والأسباب التكوينيّة لعالم الوجود، ولهم اطّلاع على عالم البرزخ والمثال فقط (بل وهذا الاطّلاع ناقصٌ ضعيفٌ لا اطّلاعٌ كاملٌ عميقٌ)، ويعلمون شيئًا من مراتب عالم
