
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
236إلى وقت آخر». والعجب من هؤلاء الناس العوامّ الذين لا تدبُّر لهم ولا إدراك؛ حيث لا يزالون حتّى الآن يأنسون بمثل هذا الكلام، ولا يزالون يصغون لحديث هؤلاء. ورغم أنّه قد ثبت لديهم كذب كلام هؤلاء الأشخاص وثبت خلاف ما يدّعونه، فإنّهم مع ذلك لا يبتعدون عنهم ولا يتركونهم!
هناك مسألة في غاية الأهميّة، ولإدراكها آثارٌ مباشرةٌ على حياة الإنسان، ومفادها أنّ مراتب حقائق الأشياء متفاوتةٌ في سلسلة عللها الوجوديّة، وأنّ حقيقة الوجود تتشخّص وتتعيّن في مقام الظهور والبروز ضمن سلسلة من العلل الفاعليّة والصوريّة لها وذلك بواسطة اسم «المُريد»، وكلّ مرتبةٍ من مراتب الظهور لها حكم العلّة الفاعليّة للمرتبة اللاحقة وصولًا إلى مرتبة الشهادة والتعيّن المادّي حيث تصل إلى منصّة الظهور، ويُصبح لها وجودٌ عينيٌّ خارجيٌّ في عالم المادّة والصورة. هذا بلحاظ تطوّر الوجود الصرف البسيط وتحوّله في عالم الأعيان والتشخّصات الخارجيّة.
وأمّا بلحاظ عِلم الحقّ تعالى بهذه التطوّرات، والتحوّلات والإشراف الحضوريّ لذات الباري على الآثار واللوازم والظلال المترشّحة عن مرتبة الذات، فيجب القول: أنّه لا سبيل هناك لحصول أيّ تبدّلٍ وتحوّلٍ أبدًا، وأنّ الحقيقة العِلميّة للباري تعالى بالنسبة لجميع هذه التحوّلات والتغييرات لا يطرأ عليها أيّ تغييرٍ أو تبدّلٍ، وأنّ الصورة العلميّة لا تتبدّل إلى صورةٍ علميّةٍ أخرى بحيث تُمحى الصورة العِلميّة الأولى من صفحة العلم الإلهي، بل إنّ جميع الصور الموجودة في مرتبتها العينيّة الحقيقيّة -والتي هي عبارة عن مرتبة عليّة الوجود الخارجي في عالم الأعيان والشهادة، أو في مرتبة المبدعات والأمور المجرّدة والعقلانيّة والنورانيّة- هي كلّها موجودة على منوالٍ واحدٍ وبدرجةٍ واحدةٍ ومرتبةٍ واحدةٍ ولها ثبوت أزلي بحيث لا يتطرّأ إليها التحوّل والتغيّر أبدًا، وقد عبّر عنها في الآيات القرانيّة بـ «أمّ الكتاب»، كما ورد في الآية الشريفة: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾.۱
- سورة الرعد (۱٣)، الآية ٣٩.
