
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
119موجودةٌ، وعندها يكون الإنسان بعيدًا عن الحقّ، و أمّا عندما يكتسب الإنسان الصبغة الإلهيّة، فلن تبقى عنده رغبةٌ ولا إرادةٌ شخصيّةٌ في حالاته المختلفة، وأوضاعه المتغيّرة. ويمكن لأيّ إنسانٍ أن يختبر نفسه في هذه المعركة، ويعرف أكثر من أيّ شخصٍ آخر أنّ أعماله ناشئةٌ من رغبته وميله واشتياقه لهذا العمل -وإن أضفى عليه شكلًا ولونًا إلهيّا- أم أنّها مجرّد امتثال للتكليف فقط، دون أن يكون فيها أيّ ميلٍ ذاتيٍّ ورغبةٍ شخصيّةٍ.
قال أحد الأصدقاء يومًا: كنتُ في أحد المجالس وجرى الكلام فيه عن مسألة تدخّل النفس في الأمور المعنويّة والروحانيّة، وعن وجود دوافعٍ دنيويّةٍ عند التصدّي للأمور الشرعيّة والإلهيّة، والتي تظهر بصورة القيام بالتكاليف وأداء الواجبات والمسؤوليّات الاجتماعيّة، فقام أحد أقرباء المتحدّث الذي كان من علماء طهران، والذي كان يريد أن يُثبت بكلامه هذا أنّ أساس أعمالنا وأفعالنا تعتمد على إخلاص النيّة، وأنها لأجل أداء التكليف فقط، فقال له ذاك الرجل: هل الصلاة التي صلّيتها على جنازة أبيك بوجود ذاك الجمع الغفير مِن المشيّعين في المسجد الفلاني كانت بقصد القربة؟ فسكت هذا العالم متأمّلًا ثمّ أجاب: كلا، لم يكن لديّ قصد القربة في تلك الصلاة، بل كنت أحبّ أن يوكلّ أمر الصلاة إليّ بحضور هذا الجمع الغفير، باعتبار أنّي الولد الأكبر للميّت، وعندما عُرض عليّ هذا الأمر قبلته بسرعةٍ.
إنّ هذا حالنا في مجرّد الصلاة على الميت، فما بالك إذا قسنا على ذلك بقيّة الموارد الأخرى؟! فكم من البلاء تُنزله هذه الدنيا على رؤوسنا، وكيف تُسيطر على جميع الاستعدادات والقابليّات التي لدينا وتصرفها في الأمور الاعتباريّة والمجازيّة، فنهدر بذلك حياتنا ونجعل رأسمالنا الذي وهبنا الله إياه هباءً منثورًا؛ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (وكان عملهم خاليا فارغا و لا قيمة له، و لم يترتب عليه أي نتيجة) وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾۱.
- سورة الكهف (۱۸)، الآيتان ۱۰٣ و ۱۰٤.
