
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
101إنّ الله تعالى قد جعل ذكره عزّ وجلّ موجبًا لجلاء القلوب وصفائها؛ فمن لم يُجعل في قلبه ذكرُ الله، فإنّ قلبه سوف يصدأ ويمتلئ بالحقّد والكدورة ويطفح بالأنانيّة والكبر والرياء، ولن يبقى في هذا القلب نورٌ؛ وبالتالي سوف يدرك الأمور والحقّائق بشكلٍّ معوجٍّ، دون أن يقدر على إدراكها بتلك الشفافية والوضوح التي هي عليه. وقد جعل الله الذكر كذلك لكي يَسمعَ قلبك بعد عدم سماعه، ولترى عين بصيرة القلوب بعد عميها، وينقاد الإنسان بعد العناد والاستكبار والأنانيّة والاستعلاء.
يعتبر الإمام في هذه العبارات أنّه لا قيمة لأذن الإنسان وعينه ولقلوب جميع الناس، وأن تلك القلوب التي لم يستقرّ في سرّها و ضميرها التوجّهُ إلى الحقّ قلوبٌ ميّتةٌ لا شعور لها ولا إدراك لديها، وأنّ حقيقة القلب واعتباره منحصرٌ في ما يمتلكه من توجّهٍ والتفاتٍ إلى التوحيد، ومن المسلّم به أنّ مجرّد الذكر الظاهري وحمل المسبحة وقراءة الأوراد والأذكار، ليس كافيًا لتحصيل هذه المرحلة وهذه الدرجة، وكم مرّ عبر التاريخ أشخاصٌ مثل الخوارج حفظوا القرآن في صدورهم، وكانت أصواتهم تعلو دائماً بتلاوة كلام الله، وكانوا يستشهدون بالآيات القرآنية ويتمثّلون بها في حياتهم اليوميّة، لكنّ قلوبهم مع ذلك كانت سوداء مظلمةً كالليل المدلهمّ.
إنّ المقصود من كلام الإمام عليه السلام هو بيان انغمار قلوب هؤلاء الأشخاص وضمائرهم في حقيقة التوحيد والذات الأحديّة، حتّى صارت حقيقة ذكرهم للّه معجونةً متمازجةً مع روحهم، وأصبحت ذائبةً في وجودهم كذوبان السكر في الماء؛ إلى أن تشكّلت منهما حقيقةٌ واحدةٌ، لا أنّ المقصود هو الحديث عن أولئك الأشخاص العاديّين الذين يذكرون الله بما تمليه عليهم أفكارهم وتخيّلاتهم الماديّة، وبما تفرضه طرق لهوهم ولعبهم المتناسبة مع عالم الغرور وعالم الدنيا، ووصفهم بأنّ قلوبهم تنجلي بمثل هذا الذكر فيحصل لديهم الصفاء المطلوب، وترتفع عن أنظارهم حُجب الغيب، فيشرفون على حقائق عالم الوجود ويطّلعون على أسراره، هيهات أن يكون هذا مراده!
