
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
215حديث العارف بالله للكلام عن الرؤية الظاهريّة للإمام عليه السلام؛ لأن الظاهر ظاهر، بينما حركة النفس حركةٌ باطنيّةٌ وكشفٌ للحجب؛ فما الفائدة حينئذٍ من اللقاء الظاهري للإمام عليه السلام دون تحقّق المعرفة والوصول إلى باطن الولاية؟! فالإمام ليس أعلى مرتبةً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك فأين ذهب أولئك الأشخاص الذين كانوا يوفّقون للقاء النبي صباحًا ومساءً، وكانوا يصلّون خلفه في الصفّ الأوّل من الجماعة، وكانوا يتسابقون لالتقاط ماء وضوئه تبرّكاً به؟! وماذا حصل لهم، وأيّ موقفٍ وقفوه مقابل صاحب الولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؟
وأين ذهبت تلك المدائح وذلك التمجيد؟! وأين ذهبت تلك الخطب وتلك الصلوات؟! وأين ذهبت تلك النصائح والمواعظ؟! وأين ذهبت تلك المعاجز والكرامات؟! وأين ذهب الوحي وتنزّل الملائكة على رسول الله؟! وأين ذهبت تلك المشاهدات والمعاينات؟! وأين ذهبت تلك المجاملات التي كانوا يمارسونها؟! فماذا حصل بذلك التبليغ وبدعوة الناس والعيش بين ظهرانيهم مدّة ثلاثٍ وعشرين سنةً؟! وماذا حصل لهذه التوصيات التي كان يوصيهم فيها بأهل بيته وعترته، وأين ذهبت واقعة يوم الغدير؟! وماذا صار بحديث:
«إني تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»۱؟! أين ذهب جميع ذلك؟!
الجواب أنّه لم يذهب إلى أيّ مكانٍ، و لم يطرأ أيّ تغييرٍ بعد وفاة رسول الله ولم يحصل أيّ تبدّل، لأنّه من أوّل الأمر لم يكن هناك شيءٌ! ومن أوّل الأمر لم يكن هناك معرفةٌ، إذ لم يكن الإيمان قد رسخ واستقرّ في روح هؤلاء وسرّهم وكنه وجودهم، بل إنّهم استفادوا من ظاهر الإيمان وشكله، فإيمانهم كان قد تجلّى في مرتبة المثال والصور البرزخيّة فقط دون أن يتعدّى هذه المرتبة ليصل إلى سرّهم و ملكوتهم، فلقد عرف هؤلاء رسول الله في حدود المعجزات وخوارق العادات والكرامات والفتح
- راجع كتاب «معرفة الإمام»، ج ۱٣، ص ۱٦۷ إلى ٢۷۱، حيث أجرى المرحوم العلامة الطهراني قدّسسرّه تحقيقًا واسعًا حول هذا الحديث، وأثبت تواتره بين المسلمين قاطبة. (م)
