
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
183بهمّةٍ، صانعٌ لا بجارحةٍ، لطيفٌ لا يوصف بالخفاء، كبيرٌ لا يوصف بالجفاء، بصيرٌ لا يوصف بالحاسّة، رحيمٌ لا يوصف بالرقّة، تعنو الوجوه لعظمته، وتجلّ القلوب من مخافته»۱.
يقول الإمام عليه السلام: إنّ حضرة الحقّ تعالى ذاتٌ لا يراها الناظرون بأنظارهم الظاهريّة، ولكن عين الباطن ورؤية القلب قادرةٌ على رؤيته من خلال حقيقة الإيمان، فهو ذاتٌ قريبٌ دائماً من الأشياء لكن لا بقربٍ مكانيٍّ، وبعيدٌ أيضًا من الأشياء لكن لا ببعدِ انفصالٍ وتباينٍ، متكلّمٌ لكن لا كما يتكلّم البشر، مريدٌ لكن لا بسبب شوقٍ وميلٍ واهتمامٍ بالوصول إلى المقصد، خالقٌ وصانعٌ لكن ليس بأعضاء وجوارح ماديّةٍ، لطيفٌ لكنّ لطفه ليس خفيّاً عن الأنظار، كبيرٌ لكن لا يتعدّى ويتجاوز في عظمته، بصيرٌ لكن ليس بحواسٍّ ظاهريّةٍ، رحيمٌ وعطوفٌ لكن لا من جهة رقّة قلبه وغلبة إحساساته، تخضع لعظمته جميع الوجوه، وتضطرب من الخوف منه جميع القلوب.
يوجد في هذه الخطبة أيضًا إشارةٌ إلى حقيقة التوحيد الذاتيّ لحضرة الحقّ تعالى، وكذلك في العديد من الخطب الأخرى، وذِكرها جميعًا يوجب التطويل والخروج عن الموضوع٢.
فعلى هذا الأساس، كما أنّ الله سبحانه وتعالى جعل كلامه في القرآن الكريم وفي الأحاديث القدسيّة منصبًا على التوحيد، ولم يتنازل قيد أنملةٍ عن مرتبة التوحيد وشؤوناته إلى آثار غيره في مراتب التعيّن وشؤوناته، ولم يعط أحدًا من مخلوقاته -حتّى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم- شيئًا من الحيثيّة الاستقلاليّة والوجود المستقلّ ولو كان مقدارًا بسيطاً منه، بل كان -من خلال قهّاريته و بسبب غيرته- يخطف أنفاس كلّ من يتعرّض لكبريائه وجبروته وعظمته وغنائه ولو بمقدار جناح
- نهج البلاغة (شرح محمد عبده)، ج ٢، ص ٩٩.
- أشار العلامة الطهراني رضوان الله عليه إلى اثني عشر نموذجًا من الخطب التوحيديّة لأمير المؤمنين عليه السلام مع توضيحٍ مختصرٍ لها في كتابه «معرفة الإمام»، ج ۱٢ ص ٢٤۷. (م)
