
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
181إنّ الاختلاف بين هذه الفئة من العرفاء الإلهيّين وبين سائر العظماء من أهل الكشف والشهود -على اختلاف مراتب كمالهم وارتقائهم- هو أنّ هذه الفئة من الأولياء الإلهيّين والعرفاء بالله قد تبدّلت حقيقتهم من خلال الانغمار في حقيقة الذات، والاندكاك في مرتبة هوهويّة الحقّ، فصارت تلك الحقيقة محيطةً بهم وصارت ذاتهم مُتشئِّنة بشؤون الذات، لذا فقد صارت الآثار المترشّحة من وجودهم وما يظهر منهم من كلامٍ أو تصرفات تمثّل نفس آثار ذات الحقّ تعالى وظهوراته وبروزاته التي برزت وتجلّت في الكتاب المبين (القرآن الكريم).
فمن خلال أدنى تأمّلٍ وتدبّرٍ في الآيات الإلهيّة الكريمة تتضّح هذه المسألة الدقيقة جيّدًا؛ وهي أنّ الله تعالى تقدّست آلاؤه في القرآن المجيد قد حصر حقيقةَ الوجود والاستقلالَ في التحقّق والتعيّن بذاته تعالى، وأنّه عزّت آلاؤه لا يعتبر أيّ أثرٍ من آثار عالم الخلق متمايزًا ومتغايرًا عن آثار ذاته وأفعاله، ولا يرى لأيّ موجودٍ في عالم الوجود نصيبًا في شيء من الوجود غير وجوده وشأنيّته، ويعدُّ جميع الأشياء -سواءً كانت عاليةً أو دانيةً- فقيرةً مقابل ذاته، بل هي فقرٌ محضٌ أمامه، وأمّا الغنى الذاتيّ والاستقلال الوجوديّ، فهو منحصرٌ به تعالى فقط.
يقول تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾۱.
يخاطب تعالى الناس في هذه الآية قائلًا لهم: اعلموا أنّ الفقر لباسكم ومحيط بكم، وأنّ الغنى ردائي فقط، وعليه فذاتي فقط من بين ذواتكم وسائر الموجودات هي المستوجبة للحمد والثناء.
ويقول عزّ من قائلٍ في سورة الحديد: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾٢.
يُثبِت الله تعالى في هذه الآية التوحيدَ الذاتيّ لنفسه في عالم الوجود؛ لأنّه أوّل جميع الأشياء، أي أنّه لم يكن أيّ وجودٍ متحقّقًا قبل وجوده، فكلّ وجودٍ ناشئٌ من وجوده
- سورة فاطر (٣٥)، الآية ۱٤.
- سورة الحديد (٥۷)، الآية ٣.
