
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
180في أحد الأيّام قال المرحوم الوالد قدس الله سرّه:
«كنّا بمعيّة المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله عليه وسائر الرفقاء والأحبّة في منزل أحد الأصدقاء في الكاظمين، ودار الحديث حول عروج مقام حضرة جبرائيل إلى عالم الوحي، وكيفيّة نزوله على قلوب الأنبياء والرسل الإلهيّين، وكيفيّة انتقال الحقائق العلميّة من حقيقتها الكلّية إلى نفوس البشر الجزئيّة، وحول قدرة هذا المَلَك المقرّب وقوّته وإشرافه على جميع العلوم والصور الكلّية والجزئيّة للحقيقة العلميّة لحضرة الحقّ جلّ وعلا، وفي هذه الأثناء تحدّث كل شخصٍ طبق فهمه وعرض الأمر ضمن إدراكه، وكان كلٌّ منهم يبرز تعجبّه من هذه المسألة، وبقي المرحوم السيّد الحدّاد ساكتًا يستمع إلى كلام هؤلاء الأشخاص، وبعد مدّةٍ رفع رأسه وقال بلهجة جادّة تحكي عن حقيقةٍ منكشفةٍ لديه بشكلٍ عميقٍ ووضوحٍ جليٍّ:" أيّ بحثٍ هذا الذي تبحثونه وتتحدّثون فيه عن علوّ درجات ومقامات حضرة جبرائيل وسعته الوجوديّة؟! إنّنا في مقامٍ ومرتبةٍ لا يستطيع جبرائيل أن يتصوّرها، ولا يقدر على إدراك تلك المرتبة أو حقائقها الوجوديّة، فلماذا توقّفتم عند صعود الملائكة ونزولهم؟ تعالوا وانظروا ماذا يوجد فوق ذلك! هناك حيث لا يتمكّن الآلاف من أمثال جبرائيل من الوصول إلى ذاك المكان، بل يبقون دون ذلك المقام؛ فعلى السالك أن لا يرضى بما دون الذات، وألّا يتنزّل عنها ويحرم نفسه من الارتواء من الماء المعين لتلك الحقيقة، ولا أن يشغل نفسه بحقائق هي دون حقيقة ذات حضرة الحقّ تعالى فيفنيَ عمره دون جدوى"».
إنّ ما يظهر من العارف الكامل ووليّ الله في أطوار حياته وعلاقته بالأفراد، إنّما هو عبارة عن سوقهم نحو تلك النقطة العليا ودفعهم وتشجيعهم على السير إليها والوصول إلى أعلى مرحلةٍ من العبوديّة، وهي ما يعبّر عنها بالتوحيد الذاتي والتجرّد المحض والفناء الذاتي، و هو لا يتنازل عن هذه النقطة لا في مجالسه ولا في كلامه وآثاره.
