
أسرار الملكوت ج2
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۲
172إنّ كلمات الأولياء الإلهيين والعرفاء الواصلين والعلماء بالله كنجمةٍ متلألئةٍ تحكي بنفسها عن واقعيّتهم ووضوحهم الباطني، كما أنّ عبارات هؤلاء تكشف بنفسها الحقيقة الواضحة والصريحة التي يتحلّون بها، فهي تكشف -كالقضايا التي قياساتها معها- بذاتها الستار عن سرّهم الداخلي و عن مكنونات ضميرهم، بحيث لا يبقي في نفوس من لديهم مقدارٌ من المعارف الإلهيّة واطّلاع على مدارج الكمال ومراتب التوحيد أيّ شكٍّ في صدق هذه العبارات وانطباقها على الواقع.
فمن باب المثال نرى العارف بالله ابن الفارض المصري يقول في بيانه لأحوال عالم التوحيد وخصوصيّات مقام الهوهويّة وحضرة الأحديّة ومرتبة الذات:
۱. يقولونَ لي صِفها فأنتَ بوَصفها *** خبيرٌ أَجَلْ عِندي بأوصافها عِلمُ ٢. صفاءٌ ولا ماءٌ ولُطْفٌ ولا هَواً *** ونورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جِسْمُ ٣. تَقَدّمَ كُلَّ الكائناتِ حديثُها *** قديماً ولا شكلٌ هناك ولا رَسمُ ٤. وقامتْ بها الأشياءُ ثمّ لحكمةٍ *** بها احتَجبتْ عن كلّ مَن لا لَه فهمُ ٥. وهامتْ بها روحي بحيثُ تمازَجا *** اتِحادًا ولا جِرْمٌ تَخَلّلَه جِرْمُ ٦. فَخَمْرٌ ولا كرْمٌ وآدَمُ لي أبٌ *** وكَرْمٌ ولا خَمْرٌ ولي أُمُّها أُمُ ۷. ولُطْفُ الأواني في الحقيقةِ تابعٌ *** لِلُطْفِ المعاني والمَعاني بها تَنْمُو ۸. وقد وَقَعَ التفريقُ والكُلّ واحدٌ *** فأرواحُنا خَمْرٌ وأشباحُنا كَرْمُ ٩. وقالوا شربْتَ الإِثمَ، كلّا وإنّما *** شربْتُ التي في تركِها عنديَ الإِثمُ ۱۰. وعنديَ منها نشْوَةٌ قبلَ نشأتي *** معي أبدًا تبقى وإن بليَ العَظْمُ ۱۱. عليكَ بها صرفًا وإن شئتَ مزْجها *** فعدْلُكَ عن ظَلْم الحبيب هو الظُّلمُ ۱٢. وفي سكرةٍ منها ولو عُمْرُ ساعةٍ *** ترَى الدَّهر عبدًا طائعًا ولك الحُكْمُ ۱٣. فلا عَيْشَ في الدُّنْيا لمَن عاشَ صاحيًا *** ومَن لم يَمُتْ سُكْرًا بها فاته الحزمُ ۱٤. على نفسه فليَبْكِ مَن ضاع عمْرهُ *** وليسَ لهُ فيها نَصيبٌ ولا سهمُ۱ - ديوان ابن الفارض، أبيات من القصيدة الميميّة، المعروفة بالخمريّة، ص ۱٦٦. (م)
