
أسرار الملكوت ج1
وهو شرح لحديث عنوان البصريّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكّد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام في العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هي خير مُبيّن وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه ومبانيه السلوكيّة.
أسرار الملكوت ج۱
208وبدلًا من ذكرهم بالمدح والثناء في الدنيا يُذكرون بالقدح والشقاء، وأمّا في تلك الدار فسوف يُسألون عن أعمالهم وأفعالهم السيّئة، وعليهم أن يهيّئوا لها جواباً.
ولعمري، إنّ الزمان الفاصل بينكم وبينهم ليس كبيراً، وليس بينكم وبينهم أجيال كثيرة، كما أنّه ليس بين يومكم هذا وبين يوم كنتم في أصلابهم فصل كبير. و والله إنّ كلّ ما بيّنه رسوله لهم في ذلك اليوم أبيّنه اليوم لكم، وإنّ قدرتكم على السمع والفهم لا تختلف عن قدرتهم على ذلك في زمان رسول الله، فكلاكما تسترفدان من مصدر واحد وواهب واحد، لم يفتح الله عيونهم إلّا بمقدار ما فتحها لكم، ولم يعرّف قلوبهم ويغذّيها بالإدراك والمعارف إلّا بمقدار ما أعطاكم. والله لم تعثروا على شيء كانوا عنه غافلين أو جاهلين ولم تُخصّصوا بشيء كانوا منه محرومين.
لقد حطّت الفتنة رحالها عندكم وربطتكم بعقالها، فهي تميل بكم أينما تريد، فحالها كحال الإبل رخوة البطان (التي لم يحكم شدّ حزامها) لا يُتمكّن من ظهرها والركوب عليها. فانتبهوا وابتعدوا عمّا ابتلي به أهل الغرور والطمع والأنانية، واتقوا ولا تنخدعوا كما انخدعوا هم، فالدنيا كالظلّ المتّسع والممتدّ إلى الزمان الذي عُيّن للرحيل إلى الآخرة.
يبيّن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الخطبة بشكل دقيق نقاط القوّة والضعف عند الناس في علاقتهم بالأمور التربويّة والتكامليّة.
فمن جهة يرون أنّ الحقّ واضح للجميع وجليّ بتمام خصوصيّاته وتجلياته وبراهينه، وكلّ ما ذكره رسول الله من حقّ وتبيين رشد الناس وصلاح أمورهم، فقد بيّنه أمير المؤمنين عليه السلام والأئمّة من بعده، ولم يعد أيّ أمر مخفيّاً في هذا المجال ولم يبق أيّ عذر لأحد.
ومن جهة أخرى نرى أنّ كيفيّة التسليم والانقياد للحقّ عند جميع الناس
