
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام ج2
تتحدّث هذه المجموعة حول ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، وقد جرى بيانه بعد طبع كتاب (وظيفة الفرد المسلم في إحياء حكومة الإسلام) حيث جُمعت ونظمت من قبل اثنين من الفضلاء في مجلّدات أربعة تضم 48 درساً. وقد جرى في هذه المجموعة البحث والتحقيق في مطالب من قبيل: دلائل ولاية الفقيه وشرائطها وموانعها، حقيقة ولاية الإمام والفقيه العادل الجامع للشرائط وحدودها وثغراتها، وأسلوب الحكم في الإسلام وواجب الناس تجاهه، وذلك بالاستفادة من الآيات القرآنية والروايات والأبحاث الفقهيّة والعلميّة والشواهد التأريخية والاجتماعية.
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام ج۲
152الأعلم، و لا يمكنه الرجوع إلى العالم؟!
و بالإضافة إلى ذلك، فسيرة العقلاء أيضاً على هذا النحو، إذ هم لا يرجعون إلى الأعلم. فالسيرة في المستشفيات مثلًا بهذا النحو على الرغم من وجود مختلف الأطبّاء، حيث إنَّ المرضي يراجعونهم جميعاً، و لا تنحصر مراجعتهم بالطبيب الأعلم الذي يمتلك تخصّصاً أكثر في الفنون الطبيّة و الجراحيّة و سائر الشئون المختلفة؛ و كذلك في سائر الصفات و الحرف. فمن يريد بناء بيت مثلًا لا يرجع إلى البنّاء الأعلم، و من يريد خياطة ثوب فلا ينحصر رجوعه إلى أمهر الموجودين في هذه الحرفة. كلّ ذلك بحسب السيرة العقلائيّة المتمثّلة برجوع الجاهل إلى العالم، على الرغم من البون الشاسع فيما بين أصحاب هذه الحرف من حيث المهارة.
و لو تجاوزنا هذا كلّه، فالموجود في الآية الشريفة هو الفرق بين العالم و الجاهل. إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ، أي أنا عالم و أنت جاهل؛ فليس الآية في معرض بيان الفرق فيما بين الأعلميّة و العالميّة، أو الأعلميّة و الجاهليّة. و عليه، فلا يستفاد من الآية الشريفة: وجوب الرجوع إلى الأعلم فقط و ترك سائر العلماء الآخرين. و كان هذا هو محصّل إشكاله.
الرجوع إلى الاعلم في المسائل الخطيرة و الامور المهمّة سيرة عقلائيّة
و أمّا ما أفاده من أنَّ السيرة العقلائيّة قائمة على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم، و أنَّ الرجوع إلى الأعلم غير ثابت، فيجب أن نري هل الأمر كذلك حقيقة؟ و هل هذه السيرة ثابتة و مطّردة و مسلّمة، بحيث لا يرجع عقلاء العالم إلى الأعلم و يرجعون إلى العالم؟ و الجواب هو النفي؛ و للأسباب التاليّة:
أوّلًا: لأنّنا نري أنَّ أنظار العقلاء تختلف في المسائل التي يجب الرجوع فيها إلى العالم من حيث الأهمّيّة و عدمها. و ذلك أنَّ بعض المسائل لا تمتلك أهمّيّة كبري، و لذا لا يدقّقون فيها كثيراً بنحو يلتزمون بالرجوع
