
الشمس الساطعة
رسالة في ذكرى العالم الرباني العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي التبريزي
يمثل هذا الكتاب تأبين ومحاورات التلميذ مع العلاّمة العارف بالله وبأمر الله السيد محمّد حسين الطباطبائي التبريزي قدّس الله تربته، ويشمل قسمين يتطرّق سماحة العلاّمة آية الله المؤلف مُدّ ظلّه في أوّلهما لبيان تأريخ حياة العلاّمة الطباطبائي قدّس سرّه وأسلوبه العلمي والفلسفي والعرفاني والتفسيري ولبيان أحوال ثلة من الأجلاّء، في حين يتطرّق في القسم الثاني إلى ذكر بعض محاوراته مع العلاّمة الطباطبائي التي تشمل أبحاثاً قرآنيّة وفلسفيّة وعرفانيّة وأخلاقيّة وعلميّة وتأريخية.
الشمس الساطعة
34المنطقة؛ و على هذا الأساس لقّب بالقاضي، و انتقل هذا اللقب إلى أولاده من بعده.
لقد فقد العلّامة الطباطبائيّ امّه في السنة الخامسة من عمره، و لم يصل إلى السنة التاسعة حتّى فقد قد أباه أيضاً؛ و لم يكن له منهما إلّا أخ واحد هو السيّد محمّد حسن.
و حفاظاً على حياتهما من التداعي، تابع وصيّهما رعايتهما كسابق الحال؛ و استخدم لأجل ذلك خادماً و خادمة۱، و أشرفا بشكل مستمرّ على امورهما بدقّة. حتّى كبرا و أنهيا دراستهما الابتدائيّة و تابها دراسة المقدّمات في تبريز؛٢ و حصل كلّ واحد منهما على قدرة فائقة و فنّ رائق في الخطّ.
- كان اسم ذاك الخادم كربلائي قُلي، و اسم تلك الخادمة سلطنة خانم، يقول حضرة الاستاذ: لقد اصطحبنا الخادم و الخادمة معنا عند ما تشرّفنا أنا و أخي و العائلة إلى النجف الأشرف للتحصيل، و بعد عشرة أيّام كان كربلائيّ قلي قد ذهب إلى السوق لشراء بعض الأشياء الضروريّة كالخبز و الخضار و اللحم ... و عند ما رجع كان متحيراً متعجّباً يقول: أيّها السيّد! أيّها السيّد! تعال انظر و شاهد هؤلاء الأطفال ذوو الثلاث و الأربع سنوات يتكلمون مع بعضهم اللغة العربيّة في الأزقّة.
- في اليوم الثالث من شهر جمادي الاولى لسنة ألف و أربعمائة و سبع هجريّة، حصل لي توفيق الحضور و اللقاء بالصديق الكبير الكريم سماحة آية الله الحاجّ الشيخ صدر الدين الحائريّ الشيرازيّ دامت بركاته حين تشرّف لزيارة مشهد المقدّسة ...
و قد ذكر أحد المطالب عن استاذنا الأعظم، رأيت من المستحسن أن اسجّل هنا، قال: كنت قد سمعت من أخ زوجتي سماحة حجّة الإسلام الحاجّ الشيخ حسن آقا البهلوانيّ النمكيّ أطال الله عمره أنّه كان ينقل عن العلّامة قوله: إنَّه عند ما كان صغيراً كان فكره لا يستوعب جيّداً و لم يكن يفهم مطالب الاستاذ كما يجب حتّى ذهب أخيراً إلى صحراء و سجد متوسّلًا بالله سبحانه و تعالى قائلًا: أمّا الموت أو الفهم.
و كنت أترصّد الفرصة المناسبة حتّى أساله عن هذا الموضوع لتتوضّح هذه المسألة لأنّها تتعلّق بعدم فهمه، و حتّى لا تصدر كلمات و جملات فيها سوء أدب لا تليق بشأنه و مقامه، إلى أن جاء العلّامة في سفر إلى شيراز مع صهره المرحوم حجّة الإسلام القدّوسيّ ... انتهزت فرصة هدوء المجلس بتمام معنى الكلمة حيث كنت جالساً لوحدي معه، و كان السيّد القدّوسيّ يصلّي في الغرفة المجاورة، و ابتدأت تدريجيّاً بطرح المسألة، إذ قلت: هل أنت مستعدّ للإجابة إذا كان عندي سؤال؟ قال: و ما الضرر في ذلك، إن كنت أعلم اجيب. قلت: المسألة تتعلّق بكم شخصيّاً، إذا كنت حتماً تعرف و تجيب أسأل، و إلّا أصرف النظر عن سوء إلي ... قال: إن كنتُ أعرف اجيب. قلت: لقد سُمع أنّه عند ما كنت في سنّ الطفولة لم تكن تدرك الدروس حتّى سجدت بعدها سجدة فشملتك عناية الله سبحانه تعالى حتّى استطعت أن تحصل على جواب أصعب المسائل العلميّة. أ كان ذلك ...؟ و ما إن قلت هذه الجملات حتّى رأيت حالة العلّامة قد تغيرت و أصبح لون وجهه متجهّماً لدرجة أنّي خجلت إلى حدّ ما من سوء إلي، قال و هو في هذه الحال: و الآن حيث لا بّد من الإجابة حسب الاتّفاق، أقول:
عند ما كنت أدرس كتاب «السيوطيّ» في تبريز أجرى لنا استاذنا امتحاناً لم اوفّق فيه، فقال لي الاستاذ: لا تعطّل نفسك و لا تعطّلنا ... و قد انفعلت جدّاً من كلام الاستاذ هذا كأنّه قد وقع في نفسي و روحي، حتّى أنّي لم أستطع البقاء في المدينة و خرجت من تبريز إلى قم، حيث قمت بعمل و تفضّل الله عَلَيّ، و لم يذكر هل كان ذاك العمل السجدة أم عمل آخر. و سكت و لم يقل شيئاً. فقلت له: من ذلك الوقت لم يبق لديك أيّ مسألة لا تنحلّ، و مهما كانت عويصة تجد لها حلًّا ... أجاب: إلى الآن هذا ما حصل انتهى كلام آية الله الحائريّ.
و في يوم الأربعاء الثالث من شهر ربيع الأوّل سنة ۱٤۱۰ هجريّة شرّف الصديق الكريم و الحبيب المكرّم آية الله الحاجّ الشيخ عبد الحميد الشربيانيّ دامت بركاته إلى منزل الحقير في المشهد المقدّس الرضويّة سلام الله على شاهدها ... و لأنّه من تبريز، فقد كان مطلعاً على وقائع حياة حضرة العلّامة الاستاذ بكاملها من عائلته و اسرته و أرحامه و كان على علم بهذه القصّة، و قد نقلها طبقاً لما ذُكر سابقاً، و أضاف: لقد قال العلّامة: بعد هذا العمل كتبت حاشية في تلك الليلة على حاشية أبي طالب التي كتبها على كتاب «السيوطيّ» و قال: إنَّ استاذ أخيه السيّد محمد حسن الإلهي الذي كان يعلمهما كتاب «السيوطيّ» هو الشيخ محمد على السرابيّ، الذي كان قد عينه: خالهما السيّد محمد باقر القاضي والد السيّد صديقنا الشهيد المتوفي آية الله الحاجّ السيّد محمد على القاضي القيِّم و الوصيّ عليهما من أبيهما.
