
الشمس الساطعة
رسالة في ذكرى العالم الرباني العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي التبريزي
يمثل هذا الكتاب تأبين ومحاورات التلميذ مع العلاّمة العارف بالله وبأمر الله السيد محمّد حسين الطباطبائي التبريزي قدّس الله تربته، ويشمل قسمين يتطرّق سماحة العلاّمة آية الله المؤلف مُدّ ظلّه في أوّلهما لبيان تأريخ حياة العلاّمة الطباطبائي قدّس سرّه وأسلوبه العلمي والفلسفي والعرفاني والتفسيري ولبيان أحوال ثلة من الأجلاّء، في حين يتطرّق في القسم الثاني إلى ذكر بعض محاوراته مع العلاّمة الطباطبائي التي تشمل أبحاثاً قرآنيّة وفلسفيّة وعرفانيّة وأخلاقيّة وعلميّة وتأريخية.
الشمس الساطعة
123قُلُوبَهُمْ، وَ طُولُ البُكَاءِ عُيُونَهُمْ.
لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ الى اللهِ مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعَةٌ؛ يَسألُونَ مَنْ لَا تَضِيقُ لَدَيْهِ المَنَادِحُ؛ وَ لَا يَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُونَ، فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ فَإنَّ غيرهَا مِنَ الأنفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غيركَ.۱
لقد كانت حالات الأٌستاذ في السنوات الأخيرة من عمره عجيبة جدّاً، كان مستغرقاً في التفكّر و منطوياً على نفسه، و شديداً في المراقبة و قليلًا ما يتنازل٢ ممّا هو فيه. و في السنة الأخيرة كانت تغلب عليه حالة النوم و الخلسة، و بمجرد أن يستيقظ كان يتوضّأ و يجلس مستقبلًا القبلة.
في الثالث من شعبان (يوم ولادة الإمام سيّد الشهداء عليه السلام) سنة ۱٤۰۱ ه و برفقة زوجته المخدّرة المكرّمة و أحد الطلّاب المحترمين من أهل الفلسفة و السلوك الذي قدم لرعايته، تشرف بزيارة المشهد المقدّس لحضرة ثامن الحجج عليه الصلاة و السلام، و بقي هناك اثنان و عشرين يوماً ثمّ اختار الإقامة في دماوند طهران. بسبب لطافة الجوّ و الماء في الصيف.
و في تلك الفترة أٌحضر إلى مستشفي طهران للمعالجة؛ و بعدها اشتدّ عليه المرض إلى الدرجة التي لم يعد ينفع معها العلاج الطبّيّ إلى أن رجع إلى بلدة قم الطيّبة، حيث محلّ سكنه، و وضع في الفراش، و كان لا يستقبل غير الخواصّ من تلامذته.
يقول أحد تلامذته٣: ذهبت ذات يوم لعيادته، و كانت حالته سيّئة
- «نهج البلاغة» الخطبة ٢٢۰
- و يقصد التنازل من العوالم. (م)
- و هو سماحة شيخ الفضلا العظام حجّة الاسلام الحاجّ الشيخ أبو القاسم المرندي دامت بركاته، الابن الرشيد لسماحة آية الله المرحوم الحاج الشيخ هدايت الله المرندي رضوان الله عليه، حيث شرّفنا بالحضور في منزلي في مشهد المقدّسة في اليوم الخامس من محرم الحرام لسنة ۱٤۰٦ ه لسوابق المودّة و المحبّة، و ضمن المذاكرات في أحوال المرحوم أستاذنا العلّامة الطباطبائي قدس الله تربته، أضاف: ذهبتُ لزيارته في مستشفي آية الله العظمى الكلبايكاني في قم يوم عيد الغدير الأخير له، و كان قد بقي على ارتحاله شهر واحد، فكان راقداً على سرير المرض، و كان واضحاً من القرائن و الشواهد أنّ أحداً لم يكن قد جاء لزيارته ذلك اليوم، فقد كان جميع الطلبة و الفضلاء مشغولين بمراسم العيد و مستلزمات ذلك اليوم. فوقفت في جانب من غرفته وحيداً حتّى جاءت ابنته، و هي زوجة المرحوم حجّة الاسلام القدّوسي فوقفتْ إلى جانب سريره و سلّمت عليه و كانت عيناه مغمضتين منذ فترة و قالت: كيف حالك يا أبي العزيز؟! فأجابها فقط بكلمة: بخير
فبقيت عنده قليلًا ثمّ انصرفت إلى منزلها لرعاية أطفالها؛ و كنت واقفاً في زاوية الغرفة لمدّة، و قد مرّت عليه عدّة أيّام و أعينه مغمضة لا يفتحها، و كانت تماماً مثل العيون المريضة؛ ففتح عينيه فجأة فإذا هي برّاقة جدّاً في حالة عاديّة بشوشة، فنظر إليّ، فاغتنمتُ الفرصة و قلتُ له مازحاً: أيّها السيّد! أ يحضركم شيء من أشعار حافظ؟
ردّ يقول: «صلاح كار كجا و من خراب كجا» فأقرأ بقية البيت! (و ترجمته؛ أين استقامت الحال على ما يقول العقل و الشرع، و أين خراب حالي).
فقلتُ: «ببين تفاوت ره از كجاست تا به كجا! (و ترجمته: فانظر تفاوت الدرب من أين إلى أين).
فقال: تا به كجا! (إلى أين!)
ثم أغلق عينيه كما كانتا قبلًا، و لم ينطق بعدُ بشيء.
