
الروح المجرّد
في ذكرى الموحد العظيم والعارف الكبير الحاج السيد هاشم الموسوي الحداد آفاض الله علينا من بركات تربته
في تأبين الموحّد العظيم والعارف الكبير الحاج السيّد هاشم الموسوي الحدّاد أفاض الله علينا من بركات تربته، من أقدم وأفضل تلامذة الأخلاقي الكبير العارف بالله وبأمر الله آية الله العظمى الحاج السيد علي القاضي الطباطبائي التبريزي نفعنا الله والمسلمين من بركات علومه. وقد ذكر في هذا الكتاب كيفيّة تشرف سماحة العلاّمة آية الله مُدّ ظلّه بالحضور في محضر سماحة الحدّاد، وعن كيفيّة حياته وسيرته العملية وحالاته ومقاماته التوحيديّة وأحوال تلامذته. وتطرّق ضمن بيان أسفار سماحته إلى ذكر المباحث التوحيديّة الدقيقة، والسلوك إلى الله، ولزوم متابعة الاُستاذ، وإلى الدفاع عن العرفان والعرفاء بالله، وإلى ردّ التهم غير اللائقة التي وُجهت إلى محيي الدين ابن عربي، وإلى معنى وحدة الوجود و...
الروح المجرّد
224...۱
- [...تابع التعليقة السابقة] أنّ مصلحة إنسانٍ ما في زمن معيّن تتمثّل في حياته، كما يعلم أنّ مصلحته في زمن آخر تتمثّل في مماته؛ فإن كان صلاح الإنسان في الحقيقة في موته و راح يسعى نحو الحياة، فإنّه سيكون بذلك طالباً لشرّ نفسه لا لخيرها. إنّ على الإنسان أن يذهب إلى الطبيب حين يمرض و ينشد العافية و طول العمر، لأنّ هذه الامور هي في حدّ ذاتها خير، لكن عليه أن يكون مسلّماً أمره لله في كلّ حال، موطّناً نفسه على ما قُدِّر له، فإن جاء أجله فعليه أن يستقبله بَاسِم الوجه غير ملتفت إلى عالم الطبيعة بنظره، و لا باكٍ على ما ضاع من نعمها، ففي ذلك يكمن الخطر الكبير.
و نحن بحمد الله و منّه نعيش في ظلّ مدرسة التشيّع، حيث تتألّف أمامنا «الصحيفة الكاملة السجّاديّة» كالمصباح الكبير المشعّ للاقتداء بنهج ذلك الإمام الصادق، لذا نبتهل بدعاء الاستخارة و هو الدعاء الثالث و الثلاثين، إلى ساحة الجليل سبحانه: وَ ألْهِمْنَا الانْقِيَادَ لِمَا أوْرَدْتَ عَلَينَا مِنْ مَشِيَّتِكَ حتّى لَا نُحِبَّ تَأخِيرَ مَا عَجَّلْتَ، وَ لَا تَعْجِيلَ مَا أخَّرْتَ، وَ لَا نَكْرَهَ مَا أحْبَبْتَ، وَ لَا نَتَخَيَّرَ مَا كَرِهْتَ (الدعاء).
و نقرأ في الدعاء المرويّ عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله: اللهُمَ أحْيِنِي مَا دَامَتِ الحَيَاةُ خَيْراً لِي وَ أمِتْنِي إذَا كَانَ المَمَاتُ خَيْراً لِي.
و قد ورد في كتاب «مفاتيح الجنان» ص ٣٥۱ و ٣٥٢، كتاب «الباقيات الصالحات» أنّ الإمام محمّد التقيّ عليه السلام قال: وَ كَانَ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ يَقُولُ إذَا فَرِغَ مِنَ الصَّلَاةِ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَ مَا أخَّرْتُ وَ مَا أسْرَرْتُ وَ مَا أعْلَنْتُ وَ إسْرَافِي على نَفْسِي وَ مَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللهُمَّ أنْتَ المُقَدِّمُ وَ المُؤَخِّرُ لَا إلَهَ إلَّا أنْتَ، بِعِلْمِكَ الغَيْبَ وَ بِقُدْرَتِكَ على الخَلْقِ أجْمَعِينَ، مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْراً لِي فَأحْيِنِي؛ وَ تَوَفَّنِي إذَا عَلِمْتَ الوَفَاةَ خَيْراً لِي (الدعاء).
فإن كنّا جادّين في سؤالنا الحياة من الله سبحانه ما دام الموت خيراً لنا، أ فلا نكون خاطئين إذاً؟ أ وَ لا نكون قد طلبنا خلاف الحقّ و الواقع؟!
نعم، لقد كانت حالي تسوء يوماً بعد آخر، و مرض اليرقان يستشري في جميع سطح بدني حتّى آل الأمر بحيث لم تعد صفرة المنديل الأصفر تتميّز عن صفرة الجلد، و ذلك لأنّ مادّة السوداء السامّة لم تكن لتجد طريقها إلى الخارج بسبب انسداد قناة «كوليدوك»؛ ثمّ اجريت العمليّة الجراحيّة و استغرقت أكثر من ثلاث ساعات، كان الحقير خلالها فاقداً للوعي، و استمرّ فقدان الوعي سبع ساعات كاملة. و كانت العمليّة بلطف الباري تعالى شأنه العزيز موفّقة و سليمة للحدّ الذي شهد معه جميع أطبّاء مستشفى القائم أنّني لو كنت قد ذهبت إلى الخارج و أجريتها في أرقى مركز طبّيّ في العالم لما كان يتصوّر أن تُجرى أفضل ممّا اجريت فعلًا.
نعم، لقد اتّفق لعيني نظير هذه المسألة بعد ذلك بسنتَين، فقد تمزّقت شبكيّة العين اليمنى بلا سابق إنذار أو سبب ظاهر، و كان تمزّقها يشبه حدوة الحصان، و حسب اصطلاح الأطبّاء «في محور الساعة ۱٢ و ٢۰ دقيقة»، و لم أعد أرى فيها، و عجز جميع أطبّاء مشهد و طهران عن معالجتها و أجمعوا على ضرورة الذهاب للخارج، فقلت كذلك إنّني لن أذهب إلى الخارج و لو فقدتُ البصر.
و لكن، و بعد أن فحص عيني الشابّ الغيور القيّم الفاهم: الدكتور الحاجّ السيّد حميد السجّاديّ، قال: يجب أن تُجرى لهذه العين عمليّة جراحيّة على الفور و بلا تأخير؛ و حتّى أنّه لم يعطِ الرخصة في مغادرة المستشفى، و قال: أعجب من قول الأطبّاء في وجوب الذهاب إلى الخارج، فالعين كانت ستتلف في هذه المدة القصيرة.
ثمّ قام بإجراء العمليّة بمعونة و مساعدة تلميذه الممتاز الصديق العزيز المؤمن الملتزم الدكتور الحاجّ حسن علي الشهرياريّ، حيث دامت سبع ساعات كاملة، و للّه الحمد و المنّة فقد تكلّلت بالنجاح التامّ و السلامة ممّا أدهش الجميع و أثار إعجابهم. و كما ترون فإنّني أكتب بالاستعانة بهذه العين التي اجريت لها العمليّة بعد ستّ سنوات من إجرائها.
﴿قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ، أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ، وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ ، وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ، وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ، وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ، وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ، وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾. (الآيات ۷٥ إلى ۸٥، من السورة ٢٦: الشعراء).
- [...تابع التعليقة السابقة] أنّ مصلحة إنسانٍ ما في زمن معيّن تتمثّل في حياته، كما يعلم أنّ مصلحته في زمن آخر تتمثّل في مماته؛ فإن كان صلاح الإنسان في الحقيقة في موته و راح يسعى نحو الحياة، فإنّه سيكون بذلك طالباً لشرّ نفسه لا لخيرها. إنّ على الإنسان أن يذهب إلى الطبيب حين يمرض و ينشد العافية و طول العمر، لأنّ هذه الامور هي في حدّ ذاتها خير، لكن عليه أن يكون مسلّماً أمره لله في كلّ حال، موطّناً نفسه على ما قُدِّر له، فإن جاء أجله فعليه أن يستقبله بَاسِم الوجه غير ملتفت إلى عالم الطبيعة بنظره، و لا باكٍ على ما ضاع من نعمها، ففي ذلك يكمن الخطر الكبير.
