
الروح المجرّد
في ذكرى الموحد العظيم والعارف الكبير الحاج السيد هاشم الموسوي الحداد آفاض الله علينا من بركات تربته
في تأبين الموحّد العظيم والعارف الكبير الحاج السيّد هاشم الموسوي الحدّاد أفاض الله علينا من بركات تربته، من أقدم وأفضل تلامذة الأخلاقي الكبير العارف بالله وبأمر الله آية الله العظمى الحاج السيد علي القاضي الطباطبائي التبريزي نفعنا الله والمسلمين من بركات علومه. وقد ذكر في هذا الكتاب كيفيّة تشرف سماحة العلاّمة آية الله مُدّ ظلّه بالحضور في محضر سماحة الحدّاد، وعن كيفيّة حياته وسيرته العملية وحالاته ومقاماته التوحيديّة وأحوال تلامذته. وتطرّق ضمن بيان أسفار سماحته إلى ذكر المباحث التوحيديّة الدقيقة، والسلوك إلى الله، ولزوم متابعة الاُستاذ، وإلى الدفاع عن العرفان والعرفاء بالله، وإلى ردّ التهم غير اللائقة التي وُجهت إلى محيي الدين ابن عربي، وإلى معنى وحدة الوجود و...
الروح المجرّد
145و قد ذكرنا أنّه كان يقول: ما أشبهني بقشّة تبن تدور في فضاءٍ لا يتناهى، بلا اختيار منّي أو إرادة، و إنّني أخرج أحياناً من نفسي كالحيّة التي تلقي بجلدها، فليس في إلّا هذا الجِلد.
أ تعلمون ما الذي كان يريد قوله في هذه الجملة القصيرة؟!
إنّ الحيّات تبدّل جلودها كلّ سنة بشكل طبيعيّ، أي أنّها تخرج من جِلدها السابق، و إذا ما نظرتم إلى ذلك الجلد لرأيتم حيّة كاملة لها رأس و بدن و ذيل، كما أنّ لون جسمها و نقوشه و تعرّجاته يماثل ما كان للحيّة السابقة، و لربّما يتصوّر الإنسان في البدء أنّ هذا الجلد حيّة حقيقيّة، لكنّه حين يخطو إلى الأمام و يضع يده عليه يتّضح أنّه لم يكن إلّا جلداً و أنّ الحيّة قد خرجت منه.
لقد كان سماحة الحدّاد يقول: إنّ مثَلي كذلك، فلقد كنت أتخطّى نفسي و أخرج منها فأذهب إلى مكان آخر.
أي: أنّني -أنا الذي خرجت منها- الحدّاد بجميع شئونه من البدن و الأفعال و الأعمال و الذهن و الفعل و كلّ الآثار و لوازمها، مع أنّها موجودة و تقوم بأعمالها الطبيعيّة كالعبادات و المعاملات و الاتّصالات و النوم و الأكل و العلوم الذهنيّة التفكيريّة و العلوم العقليّة الكلّيّة و العلوم القلبيّة المشاهديّة، و بدون أيّة ذرّة من التغيّر، فهي بأجمعها موجودة في مكانها، لكنّني لم أعد موجوداً فيها؛ لقد خرجت منها. أي إنّ جميع هذا البدن و آثاره و جميع علومه الذهنيّة و العقليّة و القلبيّة و آثارها و جميع قدراته و جميع أنحاء حياته تصبح كجلد الحيّة، و ليست بأجمعها مقابل حقيقتي إلا جلداً فقط، في حين أنّ حقيقتي التي يُقال لها «أنا» في مكانٍ آخر.
فأين ذلك المكان الآخر يا تُرى؟! من المسلّم أن يكون مكاناً أفضل و أعلى و أرقى من الجزئيّة و الكلّيّة التي هي موطن البدن و المثال و العقل،
