
رسالة لب اللباب في سير وسلوك أولي الألباب
أصل هذه الرسالة اُسّ ومخّ أوّل دورة من الدروس الأخلاقية والعرفانية للعلاّمة المفسّر والحكيم العارف آية الله العظمى الطباطبائي قدّس سرّه في الحوزة العلمية في قم، وقد دونت من قبل سماحة العلاّمة آية الله مُدّ ظلّه بعنوان تقريرات، ثم طُبعت مع تنقيحات وإضافات لسماحته. وقد جرى في هذا الكتاب ذكر كيفيّة السير والسلوك إلى الله بشكل إجمالي وتفصيلي، وشرح تفصيلي للعوالم المتقدمة على عالم الخلوص، وطرح مباحث من قبيل الشرائط اللازمة للسلوك، مراتب المراقبة، لزوم الاُستاذ، والطرق المختلفة لنفي الخواطر، وذلك بأسلوبٍ جامع وجميل.
رسالة لب اللباب في سير وسلوك أولي الألباب
44التعلّق بعالم الكثرة عن طريق الزهد و التأمّل و الدقّة و التفكّر في ضعة الدنيا و عدم فائدة التعلّق بها، فنتيجة الزهد انعدام الرغبة و الميل إلى الأشياء، و يترتّب عدم الفرح بالامور التي تجلب النفع المادّيّ له، و عدم الحزن من الوقائع التي تؤدّي إلى ضرره المادّيّ.
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ.۱
و هذا لا يتنافي مع الحزن و الفرح في الله؛ لأنَّ هذا الفرح ليس من حبّ المال و المصالح و الاعتبارات الكاذبة، بل من جهة أنه يرى نفسه غارقاً في بحر إحسان الله و كرمه.
و بعد طيّ هذه المرحلة يلتفت السالك إلى أنه يُحبّ ذاته حبّاً مفرطاً، و أنَّ هذا الحبّ يصل إلى درجة العشق، و أنَّ كلّ ما يؤدّيه و كلّ جهاده ناشئ من فرط حبّه لذاته؛ لأنَّ إحدى خصائص الإنسان حبّه لنفسه بالفطرة، و تضحيته بكلّ شيء من أجلها، بل الاستعداد لإبادة أي شيء من أجل بقائها. و التخلّص من هذه الغريزة صعب جدّاً، و مواجهة هذا الحسّ -الذي هو حبّ النفس- و مجاهدته من أعقد المشاكل، و ما دامت هذه الغريزة باقية لن يتجلّى نور الله في القلب، و بعبارة اخرى: إذا لم يتجاوز
- الآية ٢٣، من السورة ٥۷: الحديد.
