هذه الرسالة من ضمن المحاضرات التي ألقاها سماحة العلامة السيّد محمّد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله والتي كتب خلاصتها بنفسه، مع مقدّمة لنجله آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني حفظه الله تبيّن قيمة هذا الأثر، وتبحث هذه الرسالة في تفسير آية المودّة مع عرض للآراء المختلفة حول حقيقة ذوي القربى، والردّ عليها مع بيان الرأي الصحيح بالأدلّة المتقنة، وتتعرّض لدور محبتهم في السلوك إلى الله عزّ وجلّ ولزوم موّدة أهل البيت عليهم السلام وفرضها في القرآن والسنّة؛ كما تمّ التعرّض فيها لبعض الأحداث التي حصلت بعد ارتحال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حتّى شهادة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها.
رسالة المودة
60أبصارهم عن العوالم الدنيا الطبيعيّة المظلمة، وتعلّقوا بالجمال الأبدي. فهم عباد لا تساور وجودهم حكومة الشهوة والغضب والخيال، فهم دائماً أحياء بحياة العقل، منوّرون بنور الله، وقد وصلوا إلى مقام البلوغ والكمال الإنساني. إنّهم أفراد لم يعد في أفق وجودهم شيء من شوائب النفس الأمّارة والميل الحيواني، والحياة الحسيّة وتوابعها. لقد اختاروا من حرم أمن الله وأمانه سكناً لهم، وتنوّروا بنور الحقّ، ولا مصداق عندهم للذنب الذي هو من لوازم الغفلة، ولقد غدوا مطهّرين بطهارة الحقّ تعالى، معصومين بعصمة ذاته المقدّسة.
ومن الواضح أنّ حبّ هؤلاء وعشقهم يجعل الإنسان قريباً من أفقهم الفكريّ والوجوديّ، وكلّما اشتدّت تلك المحبّة فإنّ الإنسان سيقترب أكثر من ذلك الأفق، وبالملازمة فإنّ صفات المعشوقين وروحيّاتهم وأخلاقهم ستظهر في الإنسان، كما ستشرق فيه ملكاتهم وعقائدهم في نهاية المطاف. إنّ محبّ أهل بيت العصمة سيتحوّل إلى عابد تقيّ مؤثِر عفوّ منفقٍ باذل في سبيل الله مهجته وماله.
إنّ المحبّة كالصاعقة التي تصيب أكوام الحصيد فتتركها رماداً، فهي تحرق رذائل الصفات من الحسد والبخل وقسوة القلب والشره والجبن وأمثالها، فتحيلها هباءً منثوراً، فلا أثر لها في وجود المحبّ، ومن الواضح أنّ هذا هو

