أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
4كَذَا، اي شغله عمّا هو أهمّ إليه، قال تعالى: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - انتهى.
و قال الراغب: و المُكَاثَرَة و التَّكَاثُر: التباري في كثرة المال و العزّ. و قال أيضاً: المِقْبَرَة (بكسر الميم و فتحها): موضع القبور، و جمعها مَقَابِر؛ قال حتى ﴿زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ كناية عن الموت - انتهى كلام الراغب.
فالمعنى على ما يعطيه السياق شغلكم التكاثر في متاع الدنيا و زينتها و التسابق في تكثير العدّة عمّا يهمّكم، و هو ذكر الله، حتى لقيتم الموت فعمّتكم الغفلة مدى حياتكم.
و قيل: المعنى شغلكم التباهي و التباري بكثرة الرجال بأن يقول هؤلاء: نحن أكثر رجالًا، و هؤلاء: نحن أكثر حتى إذا استوعبتم عدد الأحياء صرتم إلى القبور فعددتم الأموات من رجالكم فتكاثرتم بأمواتكم.
و هذا المعنى مبنيّ على ما ورد في أسباب النزول أن قبيلتين من الأنصار تفاخرتا بالأحياء ثمّ بالأموات، و في بعضها أن ذلك كان بمكّة بين بني عبد مَناف و بني سَهْم فنزلت السورة، و ستأتي القصّة في البحث الروائيّ.
قوله تعالى ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، ردع على اشتغالهم بما لا يهمّهم عمّا يعنيهم و تخطئة لهم، و قوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، تهديد معناه على ما يفيده المقام سوف تعلمون تبعة تلهّيكم هذا و تعرفونها إذا انقطعتم عن الحياة الدنيا.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، تأكيد للردع و التهديد السابقَينِ، و قيل: المراد بالأوّل علمهم بها عند الموت، و بالثاني علمهم بها عند البعث.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾، ردع بعد ردع تأكيداً، و اليقين العلم الذي لا يداخله شكّ و ريب.

