أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
42الزوال و أكبره عند غروبها و استتارها وراء الافق. و حسب افتراضنا هذا أوّل الظلّ. و هو يظهر بوساطة شيء بارز كالجبل أو البناء أو الأشجار و غير ذلك.
ثانياً، أنّه ظِلّ الليل ذلك الذي يصنع حقيقة الليل، و هو عبارة عن الظلّ الحاصل من غروب الشمس و حتى طلوعها. و على الرغم من أن هذا الظلّ غير متباين، و ذلك من جهة عدم سطوع النور عليه، و أن الليل كلّه متساوٍ بالنسبة لوقوعه تحت ظلمة الظلّ المخروطيّ المحيط بنصف الكرة الأرضيّة، لكنّه يختلف من ناحية الشدّة و الضعف.
فكلّما ابتعدنا عن الغروب، فإنّ ظلّ الليل يشتدّ و يثبت أكثر فأكثر، حتى تبلغ ظلمة الليل أقصى حدٍّ لها و ذلك عند منتصف الليل حينما تكون الشمس واقعة على سمت القدم في الطرف الآخر من الأرض. أمّا ابتداءً من منتصف الليل و حتى طلوع الشمس فإنّ شدّة الظلّ و ظلمته تضعف حتى تصل إلى أضعف درجاتها و ذلك قبيل شروق الشمس.
ثالثاً، أن ظلّ النهار يكون من لحظة طلوع الشمس و حتى زوالها. و بمجرّد طلوع الشمس فإنّ ظلّ الليل يتوارى و لا تحمل أيّة ذرّة أو نقطة منه أدنى تحقّق وجوديّ؛ و لكن ما إن تشرق الشمس حتى تتكوّن الظلال على الأرض في إزاء الأشياء البارزة و الأبنية و الأشجار و الجبال و غيرها، و ذلك باتّجاه الغرب، و أطول هذه الظلال تتكوّن لحظة الشروق، و كلّما ارتفعت الشمس أخذت بالتقلّص تدريجيّاً حتى تصل إلى أقلّ حدّ لها و ذلك عند ما تفصلها عن الزوال لحظة واحدة.
و طِوال فترة الليل و النهار تلك يكون الظلُّ موجوداً؛ و لامتداده (أي امتداد الظلّ) مصداق خارجيّ. و دلالة الشمس عليه متحقّقة أيضاً؛ و الله قادر على أيقاف ذلك الظلّ في أيّة لحظة شاء، و ذلك بإيقاف حركة الأرض

