أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
39أو يتجنّب التمسّك بذلك و الاستظهار به فيُزيل ذلك الظاهر من الأصل.
الثاني: قال في الآية ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ﴾ - إلى آخر الآية: و ليس مراده بالظل و الشمس، الليل و النهار كما هو رأي أرباب التفسير؛ لأنَّهُ قَالَ عَقِيبَهُ: ﴿وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَ النَّوْمَ سُباتاً﴾. بَلِ المُرَادُ بِهِمَا الوُجُودُ وَ العَدَمُ.۱
و هنا يقال كذلك: بناءً على أصل حجّيّة ظواهر كتاب الله الكريم، يجب أن يكون لفظ الشمس و الظلّ و الليل و النهار بهذا المعنى المصطلح عليه و المفهوم عند العرف و العامّة، و إناطة استنتاج المعنى التأويليّ من ذلك إلى حقيقة وجود الحقّ و التعيّنات؛ لا أن نسلخ الآية من معناها الظاهر بشكل مجرّد و نستعيض عنه بالمعنى الباطنيّ!
و مضافاً إلى هذا لم يتبيّن استدلاله و استشهاده بحسب مدّعاه هو بالآية التي تلتها: ﴿وَ هُوَ الَّذِي﴾. فما الإشكال و الاختلاف بين هاتين الآيتين لو أنّنا أخذنا لفظتي الشمس و الظلّ بمعناهما الظاهريّ و الاحتفاظ بمعنى الليل و النوم في الآية التي بعدها؟!
تفسير سماحة الاستاذ العلّامة لآية: الم تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ
و لهذا نرى أن سماحة استاذنا الأعظم قدّس الله تربته قد أبقى على ظاهر معاني الشمس و الظلّ في تفسيرها لهذه الآيات، حيث قال في تفسيره:
«و أمّا ما ذكروه من أن هذه الآيات نزلت ببعض الأدلّة عن التوحيد على أثر جهل المعرضين عن ذلك و ضلالهم، فإنّ سياق الآيات لا يعين على هذه الدعوى. و نتطرّق هنا لإيضاح ذلك بإيجاز، فنقول:
إذاً فإنّ كلام الله تعالى:﴿أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ
- «جامع الأسرار» ص ۱۷۷ و ۱۷۸.

