أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
36و معنى كلامنا هو أن المراد بالظلّ و تمديده يشير إلى الوجود الإضافيّ الاعتباريّ المقرّر على جميع الموجودات أزلًا و أبداً. و المراد بسكونه إعدام تلك الموجودات و إهلاكها على الوجه الذي ذُكِرَ آنفاً. و المراد بجعل الشمس دليلًا له هو أن الشمس حقيقة و لها وجود مطلق مُسَمّى بالنور، في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ﴾. و المراد من قبضه عدم إضافته إلى الوجود المطلق و نسبته إليه، و إسقاط ذلك بالجملة. و أمّا المراد من يسيراً هو يسر إسقاط الإضافة و الاعتبار و سهولتهما، و إبقاء الوجود على صرافة وحدته.
فكلّ ما ذكرناه بهذا الخصوص إنّما كان يستند إلى اصطلاحات العرفاء بالله، و ذلك لأنّهم ذكروا هذا الاصطلاح في هذه المسألة؛ فشرعوا بدءاً بتعريف الظلّ و تحقيقه، ثمّ قسّموا الظلال و أطلقوا على تلك الأقسام أسماءً مثل الظلّ الأوّل و الظلّ الثاني و هكذا، ثمّ بعد ذلك عمدوا إلى تفصيل الظلال و تعيينها.
فأمّا ما قالوه في تعريف ذلك فهو: أن الظلّ عبارة عن وجود إضافيّ يظهر بتعيّن أعيان الممكنات؛ و أمّا أحكام الظلال التي هي معدومات فهي تظهر باسم الحقّ الذي هو «نور» و وجود خارجيّ و الذي إليه تُنسَب التعيّنات.
و على هذا فإنّ النور الظاهر بصور الأعيان الممكنة يتسبّب في زوال ظُلمة عدميّتها. و لذا تغدو الأعيان الممكنة ظلًّا، و ذلك لأنّ ظهور الظلّ إنّما يكون بوساطة النور و عدميّته في نفسه و بواسطته هو.
قال الله تعالى: ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ﴾، اي أن الله تعالى أضفى على الممكنات وجوداً إضافيّاً. و عليه فإنّ الظُّلمة المتكوّنة في مقابل هذا النور إنّما هي عبارة عن العدم، فكلّ ظُلمة تعني انعدام النور من شيء له

