أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
34و الحقّ أن هاتين الآيتين بعد قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ﴾ - إلى آخر الآية،۱ و قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ -٢ إلى آخر الآية؛ هما من أعظم أيّ القرآن و أشرفها في باب التوحيد و التحقيق.
﴿وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ﴾.٣
و لو أشكلْتَ فقلتَ: أن هذا المثال لا يطابق دعواك و لا يلائم ادّعائك، لأنّك قد قلتَ: فلن يكون هناك وجود للظلال إلّا بعد غيبوبة الشمس عنها. و قلتَ كذلك: لا وجود لأيّ شيء في هذا العالم غير الحقّ تعالى. بل و قلتَ أكبر من هذا أن وجود الخلق ليس إلّا أمراً إضافيّاً اعتباريّاً. في حين أن الظلال ليست كذلك.
ذلك أن الظلّ لا يمكنه أن يكون هو الشمس بعينها بأيّ وجه من الوجوه.
فاجيبُكَ قائلًا: أن المطابقة في المثال أعلاه تكفي من وجهة واحدة؛ و تلك الوجهة عبارة عن: أن الظلال لا وجود لها إلّا بالشمس، و بغياب الشمس عنها بجسمها و ذاتها؛ و كذا الخَلق بالنسبة إلى الحقّ فهو على هذا الشكل أيضاً، لأنّ لا وجود للخَلق إلّا بالحقّ و بغيبة الحقّ عنه (أي عن الخَلق) ذاتاً و حقيقة.
إذاً، فكما أن غياب الشمس يمثّل استقرار الظلّ و قيامه بنفسه
- و قد قمنا ببحث هذه الآية الكريمة المباركة في البحثين الأوّل و الثاني في الجزء الأوّل من كتاب «معرفة الله» سلسلة العلوم و المعارف الإسلاميّة.
- و قد بحثنا كذلك هذه الآية المباركة في البحثين الثالث و الرابع من المصدر السابق.
- الآية ٤٣، من السورة ٢٩: العنكبوت.

