أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
28و لهذا شرع الإمام في مرحلة كيفيّة الظهور و تفاصيل الحقّ الذي هو مقام الفرق من بعد الجمع، بعد أن اجتاز بكلامه من هذا المقام و قال:
نُورٌ يُشْرُقُ مِنْ صُبْحِ الأزَلِ، فَتَلُوحُ عَلَى هَيَاكِلِ التَّوْحِيدِ آثَارُهُ.
أي أن الحقّ المسمّى بالحقيقة، هو نور يُشرق اي يظهر من خلال صبح الأزل الذي هو الذات المطلقة. فَيَلُوحُ عَلَى هَيَاكِلِ التَّوْحِيدِ اي يظهر على جميع مظاهر الوجود بآثاره و أفعاله و كمالاته و خصوصيّاته.
و هذا إخبار عن ظهور الذات في مظاهر الأسماء و الصفات في الأزل و الأبد، و مشاهدة الوحدة في صُوَر الكثرة، و الجمع في عين التفصيل، و وجود التفاصيل في عين الجمع؛ و هو ما مرّ ذِكره توّاً. و تلك هي مرتبة لا يعلوها مقام و لا وجود للشهود في ما وراء ذلك، و هو ما عَبّر عنه الإمام بقوله لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً۱. و قال آخرون غير الإمام: لَيْسَ وَرَاءَ عُبَّادَانَ قَرْيَةٌ٢.
- أورده الآمديّ في «غرر الحكم و درر الكلم»، و ذكره الآقا جمال الخونساريّ في شرح الكتاب المذكور و المطبوع بتصحيح المحدّث الارمويّ في ج ٥، ص ۱۰۸، برقم ۷٥٦٩. و قال في شرحه ما يلي:«اي أن يقيني بأحوال المبدأ و المعاد و أصل مرتبة الكمال، فلو كُشف الغطاء و شاهدتُ ذلك بالعيان لن يزداد يقيني، لأنّه لن يكون أكثر ممّا عندي من يقين. و «لو» هنا تشير إلى المعنى الثالث من المعاني المذكورة؛ و المراد هو أنّه لو كُشف الغطاء كذلك و ظنّ به الزيادة في اليقين، فلن يزداد بذلك يقيني، باعتبار أنّه بالغ منتهى مرتبة الكمال و لا يُتصوّر الزيادة عليه.
- «مجمع الأمثال» للميدانيّ ج ٢، ص ٢٥۷ طبعة سنة ۱٣۷٤ هـ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، و «أمثال و حِكم دهخدا» ج ٣، ص ۱٣۷٥؛ و أنشد كمال إسماعيل:و قال منوچهري: بر فراز همّت او نيست جاي نيست آن سوتر ز عبّادان دهييقول: «ليس فوق قدرته (أي الله سبحانه و تعالى) و عظمته قدرة أو عظمة اخرى؛ كما أنّ ليس وراء عبّادان قرية».
صدر عمّار و مجد عبّادان *** قريةٌ مِن وراء عُبّادان

