أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
26بـ «المظاهر».
و إشارة كذلك إلى إثباتها و تحقّقها دون إشارة، سواء أ كانت الإشارة عقليّة أو حسّيّة. و هذا هو رمز الخير و الذي يشير إلى إحاطة الحقّ تعالى و إطلاقه؛ و ذلك بسبب أن المحيط المطلق ما كان ليقبل الإشارة أبداً. لأنّ تلك الإشارة لا يمكن لها أن تكون، بل هي ممتنعة و مستحيلة.
و تقييد الـ «سُبُحات» بالجلال دون الجمال إنّما هو بسبب أن الجلال مخصوص بالأسماء و الصفات، بينما اختصّ الجمال بالذات؛ أو اختصاص الجلال بالصفات القهريّة، و الجمال بالصفات اللطفيّة، كما علمت. و على كلٍّ من التقديرين فإنّ سُبُحات الجلال أنسب في التقدّم من سُبُحات الجمال، لأنّ كشف سُبُحات الجمال غير ممكن إلّا بعد كشف سُبُحات الجلال و هذا هو سير من الكثرة نحو الوحدة، و من الخلق نحو الحقّ. و هذا السير مقبول لدى أكثر علماء الطريق و العرفاء بالله.
و قول الإمام مَحْوُ المَوْهُومِ مَعَ صَحْوِ المَعْلُومِ يشير أيضاً إلى رفع المظاهر و مشاهدة الظاهر فيها بالحقيقة. و ذلك أن السالك عند ما يرى بالعيان محو الموهومات التي هي عبارة عن الـ «غير» و المسمّاة بالـ «مخلوقات» - و التي هي بدورها ليست سوى رَسمٌ خالٍ موهوم استقرّت و رسخت فيه بسبب استيلاء القوّة الواهمة و الشيطان معاً عليه - و عند ما يرى كذلك زوال ذلك كلّه و ارتفاعه عن وجوده بصورة كاملة؛ حينئذٍ سيبين معلومه الذي هو الحقّ تعالى من بين الشكوك و الشبهات الوهميّة، و سيتحرّر السالك تماماً من الحجاب و ينال الخلاص.
أي أن سماء قلبه و روحه ستصفو من الغمام و الكثرات الخلقيّة و ستظهر، تماماً كما تصفو السماء الحقيقيّة من الغيوم و السحاب و تروق؛ و هكذا سيظهر له الحقّ تعالى من خلال غيوم الكثرة تلك كسطوع الشمس

