أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
14عليه السلام بأنّ الرجل يُسأل عن كلّ النعم الإلهيّة التي اغدقت عليه من أوّل عمره و حتى آخره و هذا المعنى، حسبما يظهر، بعيد جدّاً عن مفاد الآية.
و يعني هذا أن على أفراد البشر البحث عن النعمة الحقيقيّة و الواقعيّة تلك هي الولاية التي تعتبر حلقة الوصل التي تربط بين عالم الخلقة و ذات الله سبحانه؛ و بين الخالق و المخلوق، و بين الحادث و القديم، و بين ممكن الوجود و واجب الوجود؛ بجدّ و سعي حثيثينِ في الدنيا مستفيدين من كلّ النعم التي وهبها الله إيّاهم.
فإذا تمّ حصولهم على ذلك فهو (أهدى سبيلًا) و إلّا فقد دخلوا الضلال و الإضلال.
إن جميع البشر في العالم يعيشون و يتعاشرون و يتناكحون و يأكلون و يستريحون و ينامون و يشتغلون في الزراعة و التجارة و الصناعة؛ و مع ذلك فإنّ مجموعة منهم فقط ينظرون إلى ظاهر هذه الامور و يُعرضون عن بواطنها، فهؤلاء هم (كما قيل عنهم في القرآن الكريم) ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً﴾.۱
و أن جماعة صغيرة تبحث خلال هذه الامور الكثيرة المتكاثرة عن حقيقة واحدة و هذا ما يدعى بالنعيم».٢
و قد ذكر العلّامة آية الله الحكيم و المتكلّم و المفسّر و المحدِّث و الفقيه و الاصوليّ و الشاعر المرموق الجامع للعلوم الرياضيّة و الطبيعيّة
- انظر: سلسلة العلوم و المعارف الإسلاميّة (٤)، «الشمس الساطعة» ذِكريات و لقاءات التلميذ مع العلّامة العالم الربّانيّ السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ التبريزيّ أفاض الله علينا من بركات تربته، القسم الثاني: اللقاءات، البحوث الفلسفيّة، الطبعة الاولي.
- الآية ٢۸، من السورة ۱٤: إبراهيم. ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾.

