
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
95الخارج لا يتعدّى أن يكون إحدى صورتين فقط.
هذا هو منهج أرسطو في حلّ المسألة بهذه الطريقة، و ذكروا أنّه كان يفتخر في دفع الشبهة بهذه الطريقة، لأنّه جعل مناط دفع الشبهة هو نفسه مناط الشبهة التي تمثّل تقسيم الوجود إلى الخير و الشرّ؛ و لكن مع هذا فإنّ المنهج الذي انتهجه أفلاطون يبدو أكثر استقامة و سلاسة و حلاوة.
الشرّ أمر عدميّ، و علّته انعدام علّة الوجود
يقول أفلاطون: ليس للشرّ وجود خارجيّ على الإطلاق، بل هو عدم. بمعنى الشرور القليلة التي تقع في الخارج لا تحتاج إلى علّة الموجود، لأنّها تعود إلى العدم، كما أن الوجود يعود إلى الوجود.
و محصّل هذا الكلام هو: الوجود علّة الوجود، و العدم علّة العدم، اي أن علّة الأشياء الموجودة يجب أن تكون موجودة حتماً، في حين يكفي عدم تحقّق علّة الوجود في الأشياء المعدومة؛ إذاً فعلّة العدم عبارة عن عدم علّة الوجود.
و علينا أن نعلم أن الشرور التي تحدث في الخارج ليست كسائر الامور العدميّة فتكون نافية للإيجاب، بل إنّها معدومة المَلَكة، و لا حظّ للوجود في معدوم المَلَكة. و على هذا يجب أن لا يستعصي على الإنسان فَهْم تأثير العدم في إيجاد الشرّ.
و تشبه حالة معدوم المَلَكة حالة العدم في الشيء الذي يمتلك المقوّمات و العوامل اللازمة لان يوجد و لكن لا يتحقّق هذا الوجود، كالعمى الذي هو أمر عدميّ، لكنّ حالة عدم الإبصار هذه موجودة في إنسان يمتلك عينين و كان يمكن له الرؤية بواسطتهما.
فإذا اصيب شخص ما بالعمى فهذا يعني أن شرّاً ما قد حصل، لأنّه إنسان يمتلك قابليّة الإبصار و على أن يكون ذا عينين. و يقال لهذا العدم اي عدم وجود علّة الإبصار شرّاً. لأنّ مرجعه هو انعدام تحقّق علّة وجود
