
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
93صورة قليل الخير و كثير الشرّ مُحالة، و أن صدورها من المبدأ الفيّاض صاحب الرحمة غير ممكن، فمن باب أولى أن يكون إيجاد موجود هو شرٌّ محض مستحيلًا.
الشرّ أمر عدميّ، كعدم الملَكة
و أمّا ما يقوله الحكماء: أن الوجود خيرٌ بذاته، فذلك لأنّ ديدن الوجود طرد العدم و نفيه، و رفع القوّة و الاستعداد و إزالتهما و إضفاء الفعليّة، و هو النور الصريح و الظهور البيّن و عين الحبّ المطلوب.
أ لا ترَ إلى النملة كيف تنقبض و تنكمش فوراً إذا ما نَخَستَ رأسها بطرف الشوكة المدبّب؛ فتولّي هاربة خوفاً من مفارقة معشوقها الذي هو وجودها و الذي هو مقوّم وجودها و قيّوم حقيقتها.
و سبب ربطنا عنوان الشرّ ببعض الأشياء الكونيّة القابلة للفساد في أوقات قصيرة هو أن لا وجود للشرّ في الأفلاك و الفلكيّات، فما بالك بوجوده في عالم الفعليّات و العقليّات.
و ذلك إمّا أن يكون الشرّ معدوم الذات، أو غير مكتمل الذات؛ كفقدان أصل البدن أو فقدان صحّته، و كعدم وجود الفاكهة أو كعدم وجود اللون و الطعم المتوقّع منها بسبب عروض البرد و غيره. و لهذا فلا مجال لتحقّق الشرّ في العالم العلويّ الذي لا يأتيه الفساد من بين يديه و لا من خلفه.
نعم، يمكن توقّع النقص و تحقّقه في جميع ما سوى الله، إلّا أنّنا يجب أن نعلم أن النقص غير الشرّ إلّا إذا استخدمنا الشرّ مجازاً في الناقصات.
و أمّا سبب قولنا بالأوقات القصيرة، و ذلك مثلًا إذا قسنا تضرّر زيد في بدنه و أمواله بسبب مجاورته للنار مع مقدار انتفاعه بها سواء من ناحية قوام وجوده الأصليّ أم من ناحية تكامله؛ سنرى أن نسبة ذلك مع المنافع
