
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
92محضة و كلمات إلهيّة تامّة لَا تَنفَدُ وَ لَا تَبِيدُ؛ و هي أيضاً كالفلكيّات. و على هذا فإنّ هذا النوع من الموجودات هي خير محض بالمعنيين النفسيّ و النسبيّ، و هي موجودة في الخارج و منوطة بالحقّ تعالى و تقدّس و مربوطة و معلولة به.
فإذا تغلّب خيرها على شرّها فهي كثيرة الخير مع شرٍّ قليل مثل باقي المعلولات و الموجودات في عالم الكون و الفساد و الطبيعة. و في هذه الصورة يجب أن تكون موجودة حتماً لأنّ الخير و الشرّ نقيضان: الخير = اللاشرّ؛ و الشرّ = اللاخير. و لمّا كان رفع هذين النقيضين أمراً محالًا فإنّ عدم وجود كثير الخير و قليل الشرّ = وجود كثير الشرّ و قليل الخير.
أي أن عدم وجود موجود كثير الخير أو قليل الشرّ يلزم وجود موجود قليل الخير و كثير الشرّ. و لمّا كنّا نعلم أن هكذا موجود محال وجوده من جانب العلّة الأوّليّة، اي الحقّ تعالى، و ذلك بواسطة لزوم ترجيح المرجوح؛ فعلى هذا محال أن يوجد هكذا موجود، و من جانب آخر يكون نقيضه، اي المعلولات الكثيرة الخير و القليلة الشرّ، لازم الوجود. كان على افتراض أن يكون خيرها كثيراً و شرّها قليلًا.
و أمّا إذا كان كِلا خيرها و شرّها متساويين و متناظرين، لزم أن يكون ذلك ممتنع التحقّق في الخارج كذلك بسبب استحالة الترجيح من دون مرجّح. اي أن إيجادها و خَلقها من لدن الحقّ تعالى محال، لأنّ خيرها و شرّها في كفّتين متساويتي الوزن و الاعتبار.
و أمّا إذا كان شرّها كثيراً و خيرها قليلًا أو كانت شرّاً محضاً، ففي كلتا الصورتين يكون إيجادها من لدن المبدأ تعالى مستحيلًا. ففي الصورة الاولى سوف يكون ذلك بسبب ترجيح المرجوح، في حين يرجع السبب في الصورة الثانية إلى الأولويّة في عدم الإيجاد، و ذلك لأنّنا إذا اعتبرنا
