
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
83لا يمكننا الاستناد إلى الـ «گاتا» فحسب و اعتبارها معياراً للبتّ فيما إذا كان دين زرادشت توحيديّاً أم لا، و ذلك لأنّ أقصى ما توصّل إليه الباحثون في باب التوحيد بالاستناد إلى الـ «گاتا» هو أن زرادشت كان مؤيّداً للتوحيد الذاتيّ، اي أنّه كان يقول بوجود موجود واحد قائمٍ بذاته ذلك هو «أهورا مَزْدا» و أن جميع الموجودات - بما فيهم أهريمَنْ أنگره مئنيو «أنگْرَه مَئْنْيَوَهَ» هي مخلوقات أهورا مَزْدا.
أي أنّه لم يقل بغير أصل واحد لشجرة الوجود، إلّا أنّه كان ثنويّاً بمعنى الكلمة من جهة التوحيد في الخالقيّة، إذ يستفاد من تلك التعاليم أن القطب المخالف لـ «انگرهمئنيو» (= الفكرة الخبيثة) هو «سپنت مئنيو» (= الفكرة المقدّسة) فـ «سپنت مئنيو» هو مصدر الأشياء الحسنة، اي تلك الأشياء النابعة من الخير و التي يجب أن تكون كذلك.
في حين أن «انگرهمئنيو» أو «أهريمَن» هو مصدر الشرّ، اي مصدر الأشياء التي ما كان من الواجب أن تُخلَق: و أهورا مَزْدا ليس مسؤولًا عن خلق هذه الأشياء، بل المسئول هو «أنگره مئنيو».
و طبقاً لهذه الفكرة فإنّ الوجود ذو شعبتين و إن كان ليس ذا أصلين. اي أن الوجود الذي ينبثق عن أهورا مَزْدا ينقسم إلى شعبتين: شعبة الخير التي تمثّل «سپنت مئنيو» و آثاره الحسنة، و شعبة الشرّ التي تمثّل «انگرهمئنيو» و كلّ مخلوقاته و آثاره الشرّيرة.
لم يستطع زرادشت أن يقضي على الثنويّة، و جاء الإسلام فقضى عليها
فلو اتّخذنا الـ «گاتا»، و هو الكتاب المعتبر الوحيد الذي بحوزتنا من زرادشت، معياراً فإنّنا سنرى أنّه قد وقع في خمس أو ستّ حالات متناقضة من الخير و الشرّ و أن النظام الموجود ليس بالنظام الأمثل الذي ينسجم و الحكمة البالغة. و لعلّ هذه هي الصفة الوحيدة التي تفصله عن قافلة الأنبياء.
