
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
79كمسألتَي العدل و الظلم، من مثل الغايات في العلّة و المعلول، و مسألة العناية الإلهيّة عند بحث صفات الواجب... .
و هذه المسائل نفسها يمكن طرحها عند بحث مسألة التوحيد مع اختلاف طفيف تحت عنوان «الخير و الشر». و يكمن الإشكال في أنّ: هناك مبدأ ثُنائيّاً يتحكّم بالطبيعة، و عليه يلزم أن يكون للمسألة أصلان.
في الواقع، أن مسألة الخير و الشرّ تُبحث أحياناً في باب التوحيد لتفنيد شبهة الثنويّة، و تُبحث أحياناً أخرى في باب العناية الإلهيّة التي ترجع إلى مسألة الحكمة البالغة.
و هنا يقال: أن العناية الإلهيّة تستوجب أن ننسب كلّ حدثٍ إلى الخير و الكمال، و أن النظام الموجود هو النظام الأمثل؛ و لذا فمن المفروض أن لا تكون هناك شرور و نقائص تُنزل بالنظام الأمثل أذى كبيراً، في حين أنّنا نشهد وجود هذه الشرور و النقائص موجودة....
مسألة الشرور:
إن الإشكال المزدوج الوارد على العدل و الحكمة الإلهيّين يكمن في وجود المصائب و المحن، و بعبارة أدقّ «مسألة الشرور».
و يمكن إدراج مسألة الشرور في باب الظلم، اي باعتبارها مثلباً موجّهاً إلى العدل الإلهيّ؛ و يمكن أن تدرج كذلك في باب الظواهر العبثيّة كنفى للحكمة الإلهيّة البالغة. و من هذا المنطلق، يمكن اعتبارها أيضاً سبباً للانحراف نحو المادّيّة.
فمثلًا عند ما نعتبر التحصينات الدفاعيّة و الأمنيّة للكائنات الحيّة ضدّ الأخطار شاهداً و دليلًا على النظام و الحكمة الإلهيّين، يطرح هذا السؤال نفسه و هو: لما ذا يوجد هناك خطر أساساً حتى تبرز الحاجة إلى اتّخاذ
