
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
73بوجود مبدءين أصليّين هما النور و الظلمة، و أن صوادر العالم نابعة من هذين المبدأين. و مضافاً إلى كون هذا القول مغلوطاً بالبرهان الأكيد فإنّه يتناقض و مسألتي التوحيد و وحدة الحقّ تعالى، و قد وقع الشيخ الأحسائيّ كما وقع المجوس، في هذا الفخّ و سقط في هذه التهلكة كما سقطوا.
و على هذا يتوجّب العدول عن هذه العقيدة بلا أدنى تردّد و أن نرى لأيّ منهما ترجع الأصالة في عالم الوجود؟ أ للوجود أم للماهيّة؟ قال الحكيم السبزواريّ قدّس سرّه:
إن الوُجُودَ عِنْدَنَا أصِيلُ *** دَلِيلُ مَنْ خَالَفَنَا عليل كلام الحكيم السبزواريّ في أصالة الوجود و عينيّة وجود الحقّ.
و قد قال الحكيم في شرحه لهذا البيت: «لقد اختلف الحكماء بخصوص القولين، و ذلك أوّلًا أن الأصالة في التحقّق هي للوجود و أن الماهيّة هي أمر اعتباريّ و مفهوم يُشير إليه و يتّحد معه، و هذا هو قول المحقّقين من المشّائين و الصفوة من أصحابنا. و ثانياً أن الأصالة تكمن في تحقّق الماهيّة و أن الوجود إنّما هو أمر اعتباريّ لا غير، و هو قول شيخ الإشراق شهاب الدين السهرورديّ قدّس الله سرّه»۱.
و على كلّ حال، فإنّ هذا البحث متعلّق بالموجودات التي تحمل كلتا الصفتين، اي الوجود و الماهيّة، أمّا ما يخصّ الذات المقدّسة للحقّ تعالى فإنّ ماهيّتها هي عين وجودها و لا ماهيّة لها خارج عينيّة و إنّيّة الوجود و نفس تحقّق الكينونة حتى يُطلق عليها ماهيّةً في مقابل وجوده تعالى كما قال:
وَ الحَقُّ مَاهِيَّتُهُ إنِّيَّتُهْ *** إذْ مُقْتَضَى العُرُوضِ مَعْلُولِيَّتُ و يقول في شرح البيت المذكور: «لَكِنَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ حَقٌّ فَلأنَّهُ الوَاجِبُ
- «المنظومة» ص ٥ و ٦.
