
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
249دنياي.
و رابعاً، أسأله أن يغفر لعَمّيَ الذي ضَلّ طريق الحقّ، فهو الذي يملك مقاليد المغفرة و العفو مع كلّ ما أحصيته من نِعَم.
إن حديث إبراهيم عليه السلام هذا ينطوي بمجموعه على كلّ صغيرة و كبيرة في قضايا البرهان و التي يعتقد بها و يؤمن بمبادئها و يحاول دعوة قومه إليها و إقناعهم إلى الاعتقاد بها و الإيمان بالله تعالى.
و نحن نقول: أن أيّة ذرّة من ذرّات العالَم مهما صغرت لا يمكنها أن توجَد لوحدها على أساس حساب الاحتمالات. هل يمكننا أن نحتمل و لو بنسبة واحد في المليون أن هذا المصحف الذي نضعه أمامنا و نتلو من آياته كلّ يوم ما تيسّر قد وُجِدَ و حدث لوحده و بنفسه بهذه الصورة و تلك الكيفيّة؟
و لو استثنينا أصل ورقه الذي هو إمّا أن يكون مصنوعاً من الخشب أو القطن أو ألياف أخرى، أو من بذور نبات القطن أو بذور الشجر أو من نسج لُعاب دودة القزّ و غيرها التي أصبحت بعد ذلك على شكل خيوط قطنيّة أو خشب جذع الشجر أو حرير من شرنقة دودة القزّ و أمثالها؛ ثمّ تُحوّل إلى عجينة و تُرسَل إلى المعامل التي تُصنّعها بدورها إلى ورق يُقطّع بعدها و يُحضّر للطبع؛ كلّ ذلك يحصل بصورة دقيقة جدّاً و تتدخّل فيه مخلوقات و عوامل لا تعدّ و لا تحصى، و لا يُحتمل الخطأ أو الاشتباه في أيّة مرحلة من تلك المراحل، فما بالك مع ما لا يحصى عدده من الخلائق المُبدعة إلّا علّام الغيوب؟
و لو اجتزنا ذلك بما فيه من عمليّة طبع و تنضيد حروف و الإيمان بأنّ احتمال الصدفة و الحظّ فيها إنّما هو جنون محض و كلام أهوج، و نظرنا تحديداً إلى عمليّة التجليد و تنظيم الصفحات بعضها فوق بعض، من أوّل
