
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
247المعالم لكلّ من الطريقينِ و تعيين مسار كلّ منهما و مقدار و مجال تطبيق كلّ من هذين المنهجَينِ على حدة:
السبيل إلى معرفة الله عن طريق البرهان و العقل و الفلسفة
يعتقد البعض أن على الإنسان السير قُدُماً في سبيل التفكير و التفكّر إذا ما أراد التعرّف على الحقّ المتعال و معرفته. فعليه أن يفكّر في الموجودات، و ينظّم مبادئ معيّنة على أساس من البرهان حتى يتمكّن من إيجاد الله. و يُدعى هذا المذهب بمذهب الإدراك فالإنسان يصل إلى النتيجة من خلال جمع المقدّمات الضروريّة المعلومة و تجميعها إلى بعضها البعض الآخر. و لا ريب أن تلك النتيجة الحاصلة هي معرفة الله و التعرّف عليه عن طريق التفكير و الملاحظة و التعقُّل.
فنقول مثلًا: أن هذا العالَم مُتغيّر، و لأنّه متغيّر فهو حادث؛ لأنّ أيّ موجود لا يمكن له أن يكون قديماً إذا لم تكن ذرّاته ثابتة. و على هذا الأساس فإنّ هذا العالَم - الذي هو أحد الأعضاء الكبار في عائلة هذه القضيّة الكلّيّة - حادثٌ لا محالة.
و لا جَرَم أن الحادث محتاج إلى مُحدِث؛ و المُتغيّر المُتحرِّك في حاجة إلى مُغَيِّر مُحَرِّك؛ إذاً فيجب وجود موجود قديم أزليّ يكون بمثابة المُغَيِّر المُحَرِّك حتى يتمّ لهذه الموجودات المتغيّرة و المتحرِّكة و الحادثة و الممكنة الارتباط و الاتّصال به.
مواجهة النبيّ إبراهيم عليه السلام قومه بطريقة البحث العقليّ
كما هو الحال في مواجهة سيّدنا إبراهيم عليه السلام لقومه:
﴿قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ، أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ، وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ ، وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ، وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ،
