
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
238و من هنا يظهر وجه دخول اللام في ﴿الصَّمَدُ﴾ و أنّه لإفادة الحصر فهو تعالى وحده الصمد على الإطلاق.
و هذا بخلاف «أحد» في قوله ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإنّ أحداً بما يُفيده من معنى الوحدة الخاصّة لا يُطلق في الإثبات على غيره تعالى، فلا حاجة فيه إلى عهد أو حصر.
و أمّا إظهار اسم الجلالة ثانياً حيث قيل ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ و لم يقل هُوَ الصَّمَدُ و لم يقل اللهُ أحَدٌ صَمَدٌ، فالظاهر أن ذلك للإشارة إلى كون كلّ من الجملتَيْن وحدها كافية في تعريفه تعالى، حيث أن المقام مقام تعريفه تعالى بصفة تختصّ به، فقيل: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ إشارة إلى أن المعرفة به حاصلة سواء قيل كذا أم قيل كذا.
و الآيتان مع ذلك تصفانه تعالى بصفة الذات و صفة الفعل جميعاً، فقوله: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يصفه بالأحديّة التي هي عين الذات، و قوله ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ يصفه بانتهاء كلّ شيء إليه و هو من صفات الفعل.
و قيل: الصمد بمعنى المُصْمَت الذي ليس بأجوف فلا يأكل و لا يشرب و لا ينام و لا يَلِد و لا يُولد، و على هذا يكون قوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ﴾ تفسيراً للصمد.
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ ، وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾؛ الآيتان الشريفتان تنفيان عنه تعالى أن يَلِد شيئاً بتجزّيه في نفسه فينفصل عنه شيء
