
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
233و لا مذهباً و لا دراسة...! لن يبقى في أيدينا أيّ شيء إطلاقاً! و حينئذٍ ستُعلّق علومنا ملابسها (كما يقال) على شُجُب البطلان! و ذلك لأنّ أساس جميع العلوم كائن على استخدام العقل و القوى العاقلة باعتبارها آلات للاستفادة من تلك العلوم.
فلو أنكرنا الوجود و الاختيار و العقل في عالَم الوجود هذا، و أنكرنا كذلك كلّ البديهيّات و الضروريّات الأوّليّة، فإنّ جميع العلوم، سواء أ كانت علوماً تطبيقيّة أم طبيعيّة أم فلسفيّة، و حتى علوم التفسير و الحديث و التأريخ و الفلك و النجوم...، و ما إلى ذلك، و التي لا تقوم إلّا على أساس البديهيّات و اليقينيّات و الأوّليّات و الحدسيّات و المشاهدات، كلّها ستكون باطلة لا محالة. و على هذا لن يستقيم هناك عمود أو تثبت دعامة، و لن يتأسّس في عالَم العلوم علمٌ يُذكَر. لن يُقبَل قول من أيّ أحد كان، و لن يدوم أيّ عِلم أو تَعلُّم على الإطلاق.
إن نفي الاختيار عنّا و عن المبدأ تعالى معناه إضفاء صفة الجبر على الموجودات و الممكنات و على المبدأ الواجب على السواء. لذا فإنّ هذا باطل أيضاً.
لا جَرَم أن الأشاعرة و كلّ الجبريّين في العالَم لم يعرفوا الله؛ فهم قابعون في زاوية مُظلمة من زوايا بيوتهم يحاولون إصدار هُويَّتَيْنِ، واحدة لهم و أخرى للّه سبحانه؛ يا لها من هُويّة يصدرها عميان! هم عُميٌ فظنّوا الله و العياذ بالله مغلولًا و أعمى و سجيناً و بائساً مثلهم، فشرعوا في إصدار هُويّة بائسة له كبؤسهم. و هُويّة كهذه لا تُقبَل حتى في أتعس دائرة للأحوال المدنيّة!
إن هويّة الحقّ تعالى و جلّ شأنه هي سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
نعم، لقد بيّن الله سبحانه هُويّته و سِجلّه الكامل على لسان نبيّه في
