
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
231و الآن تَصوّروا أنّنا جميعاً جالسون في مجلس بهيّ رائع تسيطر علينا سِمة الأدب و الدماثة فهل تعتقدون أن أيّاً منّا قادر في تلك الحال على القيام و خلع ملابسه جميعاً حتى الملابس الداخليّة، ثمّ و الدوران حول الحضور و هو يُطلق بعض الصفّارات، ثمّ يختمها بالخروج مسرعاً من بين ذلك الجمع إلى الخارج؟! هل يستطيع أيّ واحد منّا القيام بهذا العمل أم لا؟!
طبيعيّ أن ذلك ممكن الحصول! إلّا أنّنا لا نجد أحداً يفعل ذلك أو كان قد فعله من قَبْل أو حتى التفكير للقيام به. و ليس ذلك من باب أنّه لا يملك الحرّيّة أو الاختيار لفعله أو القدرة على ذلك، أو أن عمله مقتصر على الجلوس جانباً في ذلك المجلس و عدم أدائه لذلك الفعل؛ فهو ليس مجبراً على الجلوس و تفادي القيام و اللفّ و الدوران حول الجالسين و الركض و ما إلى ذلك، إلّا أنّنا نرى ذلك محالًا عليه فعله، لأنّه عاقل و حكيم، و أفعاله لا تمت إلى العَبَث أو اللغو أو الباطل. فلو قتلوه و قطّعوه إرباً إرباً ما كان ليقوم بعملٍ كهذا و ما كان لهذا العمل أن يصدر عنه.
لا يعني عدم فعل الله تعالى لكثير من الامور أنّه مسلوب الإرادة
فهناك بَونٌ شاسع بين عدم الاختيار و فقدان القدرة على الإتيان بعمل ما، و بين عدم الإتيان بذلك العمل على أساس المصلحة و التعقّل. و نرى أن الحكيم العاقل لا يؤدي كثيراً من الأفعال و لا يقوم بها في حين أنّه قادر على فعلها و له الحرّيّة الكاملة في أدائها، و ذلك لأنّ قوّة العقل أو حسّ العاطفة و الوجدان يحولان دون قيامه بها، لذا لا نراه يفعلها.
إن الله لا يقوم بكثير من الأفعال، كالظُّلم و الجور و الاعتداء، و نقض العهد أو خُلفِ الوعد، فهو حاشاه له لا يكذب، و لا يأمر الناس بالفحشاء أو المنكر. كلّ ذلك ليس لأنّه و العياذ بالله مسلوب الإرادة أو محدود الاختيار، بل لأنّه حكيم عليم قادر غنيّ حقٌّ غير حاقد و لا ضاغن.
و الله قادر على أن يُدخِلَ جميع ملائكته في السماء و كلّ أنبيائه على
