
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
229على أدائه و الإتيان به و إن بدا له أثناء ارتكابه ذلك الفعل أنّه حُرّ و مُخيَّر إلّا أن هذا الاختيار أو تلك الحرّيّة ليست إلّا ظنّ و خيال. ذلك أن كلّ شيء هو تحت قوّته القاهرة و سيطرته و هيمنته و يجب أن تتحوّل إلى حركة سواء أ رَضِيَ أم لَم يَرضَ.
و من ناحية أخرى فإنّ الله نفسه غير مُخيّر في بعض الأفعال التي قد تصدر عنه. و هذه الأفعال هي عبارة عن ترشُّحات ذاته و هو أمرٌ مُلازِم لوجوده.
و لهذا يجب القول: أن الله مجبور و مضطرٌ في خلق السماوات و الأرض و ما بينهما و عالَم المُلك و الملكوت - سواء أ كان ذلك في بِدء الخليقة أم في بقائها و استدامتها-؛ و كذلك جميع الخلائق من ملائكة و جنّ و إنس و حيوانات و سائر الموجودات التي لم نتمكّن من تصوّرها لحدّ الآن؛ كلّ اولئك مجبورون مضطرّون في أعمالهم و تصرّفاتهم، مَثلهم في ذلك كمثل عقرب الساعة الذي يتحرّك و يدور دون اختيار منه في ذلك، أو كمثل حجر الطاحونة التي تعمل الرياح أو الماء على تحريكها و دورانها، أو كسائر الآلات التي تعمل تلقائيّاً في المعامل و المصانع و تُؤدّي الغرض المرسوم لها و المبرمجة على أدائه.
هذه هي إحدى أهمّ النواحي التي يعتقد بها الأشاعرة و هو ما يميّزهم عن الإماميّة.
و أمّا الناحية الأخرى في عقيدتهم فهي مسألة العدل. فهم يعتقدون أن الله و العياذ بالله ليس عادلًا! و لا يمكن للعدل أن يكون صفة من صفاته. فهم يقولون: أن عدالته تتناقض مع صفته الأخرى التي تتمثّل في كونه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يَشَاءُ وَ حَاكِمٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، و مع الآية الكريمة: ﴿لا يُسْئَلُ عَمَّا
