
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
228و العقل و الشهود من جهة أخرى، و بالتالى الخَطو نحو مرتبة الكمال بمصاحبة القوى العالية الثلاث و هي العِلم و الوجدان و التعبُّد؛ و إلّا فإنّ رَكبنا - يا عزيزي - سيظلّ متأخِّراً عن الركبان الأخرى إلى يوم الحشر؛ و إنّي لأخشى ممّا هو أكبر من ذلك و أعظم مصيبة؛ و هو أن يبقى رَكبنا هذا متأخّراً حتى بعد الحشر!
علينا أن نخطو في طريق الأدعية و السلوك و المنهاج و الخُطَب و الكلمات التي خطى فيها السابقون في الدين و الأئمّة المعصومون، و نلاحظ كيفيّة معاملتهم مع المذاهب الباطلة المختلفة و قدرتهم على محوها و إزالتها فعملوا جاهدين مخلصين على إخراج الامّة من جميع مراتب الشرك، و سلّموا أنفسهم بِيَدِ الله تعالى و توكّلوا عليه، و لم يكلوا أنفسهم أو يستمدّوا قوّتهم من غير الله سبحانه؛ فلنكن نحن كما كان اولئك!
الاشاعرة قائلون بالجبر في المبدأ و الخلقة و الإنسان
يقول الأشاعرة: أن الله سبحانه و تعالى قد خلقَ العالم حرّاً يفعل ما يشاء. فالله أوّلًا في ذاته مقهور في عمله، فهو غير مُخيّر (لا اختيار له). و ما الاختيار الذي وهبه هو إلى الإنسان إلّا صورة لا واقعيّة لها. فجميع أفراد البشر مجبورون و مضطرّون في أداء أفعالهم و أعمالهم. و على هذا فالجبر عنصر أساس في أعمال البشر، و الله كذلك مجبور في عمله؛ سَواء ما يتعلّق بهذا الخَلق أم عمله في ما يتعلّق بعالَم الخِلقة.
و يقول الأشاعرة أن جميع الأعمال التي يؤدّيها الإنسان على أنّها نابعة من اختياره، من صلاة و صوم و حجّ و عُمرة و جهاد و كسب في جانب الطاعات، و كذلك من زِناً و مُعاقرة الخمر و القمار و السرقة و الاعتداء على النواميس و القوانين و القتل و الإغارة و سائر الجنايات و أعمال الخيانة التي تسمّى بالمعاصي؛ كلّ تلك الأعمال تستند إلى الله و لم يكن الإنسان يوماً حُرّاً أو مختاراً في فعل أيّ من تلك الأعمال. أن الفعل حقّ و أن البشر مجبر
