
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
227إن جُلّ المساعي التي يبذلها حكماء الإسلام و فلاسفته الكبار تنصبّ في مجال استئصال هذه العقائد و قطع شريانها الحيويّ، و هي مساع حميدة يُشكَرون عليها. إلّا أنّنا نرى أن السواد الأعظم من الناس و خصوصاً الحشويّة من العلماء و من الذين لا يفقهون معقولات الامور و القائلين: أن الرجوع إلى العقل في جميع الامور مغلوط، و أن على الناس التمسّك بظواهر الأخبار و آثار التعبُّد؛ ساقطون في هذه الحفرة المُهلِكة و غارقون في و حلها حتى قمّة رأسهم. و هم يقودون الناس نحو هذه العقيدة بصورة عمليّة قائلين: أن هذه هي عقيدة العوامّ و لسنا مُكَلّفون بما هو فوق ذلك.
وقع عدد من علمائنا من أهل الحديث - لا الحكمة - في شِراك
و قال بعض علماء الحديث و الرواية، لا أهلُ الحِكمة و الدراية: إنّنا نمتلك القدرة و نحوز العِلم، و تصدر عنّا أعمال تقع جميعها على عاتقنا و مسؤوليّتنا، دون دخل للحقّ تعالى و تقدّس في ذلك؛ و نحن إذ نقوم بهذه الأعمال لا سبيل لنا للقاء الله؛ أن هذا الاعتقاد هو ما يؤمن به المعتزلة، و إن ادّعى هؤلاء بأنّهم شيعة اثنا عشريّة، فهم يوالون عقائد المعتزلة و يؤمنون بها طبعاً و عملًا، و قد اشرِبوا في قلوبهم تلك العقيدة.
لذلك يتوجّب علينا مهاجرة هذه العقيدة عمليّاً و أن لا نكتفي في فعل ذلك شفهيّاً! أن الواجب يُحتّم علينا الانضمام تحت لواء التوحيد بالعمل لا باللفظ و اللسان و حسب، و السير على هَدى خُطَب مولى الموحّدين أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين، و أقوال الإمام الصادق و كلمات الإمام الرضا عليهما السلام و البحوث التوحيديّة التي كانت له في مجلس المأمون و كانت بحقّ مَوضع فخر و اعتزاز!
علينا أن نتّخذ المنهج الذي انتهجه فخر الفلاسفة المتقدّمين و المتأخّرين الملّا صدرا الشيرازيّ قدوةً في الحوزة العِلميّة و صفوف التدريس حتى يتسنّى لنا تقوية الآصرة الموجودة بين الشرع من جهة
