
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
223فجبرائيل يصير واحداً مع الله، و الأنبياء في بعض الأحايين يصيرون واحداً مع الله و هذا مغلوط أيضاً. لأنّ تصوير الاتّحاد يستلزم تصوير إثبات الثنائيّة و الاثنينيّة في أن يكون ذلكما الشيئان واحداً مع بعضهما. و ليس لدينا في عالم الوجود شيئان، فكلّ موجود هو ذات الله و أسماؤه و صفاته التي هي واحدة، و جميع المخلوقات، من تطوّرات و شئونات و ظهورات و مجالى، هي أسماؤه و صفاته المقدّسة. و لا يمكن تصوّر اتّحاد الثنائيّة. و على هذا، فمذهب الاتّحاد هو باطل أيضاً كسابقه.
جهات خطأ منهج الاعتزال
و إذا تجاوزنا ذلك سنصل إلى مذهب الأشاعرة و المعتزلة.
المعتزلة هم اصحاب واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصريّ. و لهؤلاء عقائد خاصّة في كثير من المسائل. فالمعتزلة تقول: أن طريق لقاء الله مسدود تماماً بوجه غير الله. اي أنّه ليس بإمكان أيّ موجود أن يلقي الله بأيّ شكل من الأشكال، سواء أ كان في الدنيا أم في الآخرة، و سواء أ كان بعين البصر أم البصيرة أم كان ذلك ظاهراً أم باطناً.
و يقولون كذلك بتأويل جميع الآيات و الروايات التي تشير إلى لقاء الله، و ذلك بسلسلة من المعارف تكون مناسبة مع الله. مثل لقاء أسماء الله و نِعَمِه و صفاته و رضوانه و ما شابه ذلك.
و من جملة عقائد المعتزلة قولهم: أن الله خالق الخير و أن الإنسان خالق الشرور و السيّئات، بمعنى أن الشرّ مصدره الإنسان و الخير مصدره الله. و أن في العالم مبدءيْنِ خالقينِ: أحدهما الله و هو خالق الخيرات، و الآخر هو الإنسان خالق الشرور.
و من عقائد المعتزلة الأخرى: أن الله سبحانه و تعالى لمّا خلق الإنسان جعله مستقلًّا و حرّاً في أفعاله بكلّ معنى الكلمة. مثله كمثل الساعة التي تُملأ من قِبل الإنسان ثمّ تقوم بالعمل كذلك لوحدها فتُدير عجلاتها
