
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
216و ذهبت هذه الجماعة إلى حدّ القول بجسميّة الله. لأنّ الموجودات المُلكيّة هي أجسام. و بالطبع فإنّ هذه النظريّة و العقيدة باطلة.
أصحاب التنزيه يعدّون الحقّ خالياً من الحياة و العلم و القدرة
إذاً فَالمُنَزِّهَةُ وَ المُشَبِّهَةُ كلاهما على باطل. صحيح أنّنا ننزّه الله؛ لكنّنا ننزّهه من صفات النقص التي توجب الإمكان و الحدوث؛ و من العيب و النقصان، من العجز و الفقر و الضعف. فنقول: أن الله ليس بعاجز و لا ميّت و لا نائم و لا جاهل. فكلّ هذا صحيح. أمّا أن ننزّه الله إلى درجة أنّنا ننزع عنه مفهوم الوجود بحيث لا نطلق عليه كلمة موجود أصلًا أو كلمة حيّ أو قادر و مقتدر، أو عالم و خبير؛ فهذا خطأ.
يقول هؤلاء: لا سبيل لنا إلى معرفة الله: لا إجمالًا و لا تفصيلًا، لا مفهوماً و لا مصداقاً، لا إلى ذاته و لا إلى صفته و اسمه أو فعله.
فمن شدّة التنزيه قد عميت إحدى أعينهم، فهُم ينظرون إلى الله بعين واحدة؛ اي كالأعور. فعينهم المُبصرة هي أنّهم ينزّهون الله عن جميع صفات النقص و التقييد و التحديد، أمّا عينهم العوراء فهم لا يَرَون أن للّه تأثيراً و وجوداً و قدرة و قوّة إفاضة في جميع عوالم الوجود و الخِلقة؛ فهم يُسقطون عنه كلّ الصفات العليا و الأسماء الحُسنى.
فهم يحصرونه (أي الله) في زاوية معيّنة من السماء؛ إلهٌ مُنزّه و طاهر ليس له أيّة علاقة بعالم الوجود و الإيجاد. و المشبّهة من ناحيتها تقول: أن خصائص الله هي نفس خصائص الموجودات.
و لكنّ قول الحقّ هو أن لا التنزيه الصِّرف صحيح و لا التشبيه الصِّرف.
فالذات المقدّسة منزّهة و طاهرة إلى ما شئتَ، من القبائح و الشنائع التي هي من لوازم الإمكان و توجب تقييد الحقّ. أمّا إذا قلنا: أن مفاهيم العلم، القدرة، و الحياة في الأسماء و الصفات تكون بشكل بحيث
