
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
214تصوّرات و أفكار و نسبتها إليه. و ذاته أطهر من أيّة صفة حتى من صفة الوجود نفسها. بل أن نوع و حقيقة وجود الله يختلف عن ذلك الذي تملكه المخلوقات و الموجودات الأخرى، و يختلف في مفهومه أيضاً.
و قد تقدّست و تنزّهت ذاته عن كلّ ما يتراءى للعيان، و صفاته و أسماؤه و أفعاله عن كُلّ ما يُتصوّر. و لذا فلا يمكننا إقامة أيّة علاقة مع الله، لأنّنا موجودات ممكنة الوجود و مخلوقات ضعيفة و فقيرة، و العجز و الجهل متأصّلان فينا، أمّا هو، فواجب الوجود و الخالق القويّ الغنيّ و هو القادر المتمكّن و العالم و الخبير، بكلّ ما لهذه الكلمات من معانٍ.
و تُدعى هذه الجماعة بأهل التنزيه (المُنَزِّهة). اي يريدون أن ينزّهوا الله و يقدّسوه و يطهّروه إلى أبعد الحدود. و هم يبالغون في تنزيه الله و تقديسه إلى الحدّ الذي يقطعون أيّة رابطة للموجودات به و يُعلنون صراحةً: بأن ليس هناك سبيل لمعرفة الله؛ لا إلى أفعال الله و لا إلى أسمائه أو صفاته أو ذاته.
فلا سبيل لنا إلى ذلك المقام الأعلى و الذروة الأسنى، حتى أنّنا لا يمكننا إطلاق كلمة الوجود على الله انطلاقاً من وجهة نظر العقل، فهؤلاء يشكّلون فرقة خاصّة بهم، و من المتأخّرين من ينتمي إلى هذه الفرقة أيضاً. و من القائلين بهذا النوع من التنزيه بعض الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم من كبار العلماء و من الطراز الأوّل، في حين أنّه (أي التنزيه المذكور) كان عقيدتهم المعلنة. و من جملة هؤلاء، الشيخ أحمد الأحسائيّ، حيث أن عباراته التي كتبها في شرحه للزيارة الجامعة الكبيرة (شرح الزيارة) توضّح بجلاء انتمائه لهذه العقيدة.
جاء في بداية رسالة «لقاء الله» للمرحوم آية الله الحاجّ الميرزا جواد آقا الملكيّ التبريزيّ قدّس الله تربته، و تحديداً في المقطع الذي يقول
