
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
202و في هذه الحالة فـ «وحدة الوجود» تعني نتيجة التوحيد و محصّلته، و ثمرة هذه الشجرة المثمرة. فما التناقض الموجود بين التوحيد و الوحدة؟ فالتوحيد الذي ينادي به الإسلام يتلاءم تماماً معها (أي الوحدة)، بل هي بعينه. فـ «وحدة الوجود» هي الشراب الحلو و السائغ لـ «توحيد الحقّ» في مراحل الكثرات.
لكنّ العَجب في أن هؤلاء الجائرين لم يكونوا قادرين و لم يقدروا على اتّهام اولئك بـ «التوحيد في الوجود»، و ذلك لأنّ هذا الكلام كان من الممكن أن يصبح أداةً في أيدي كلّ مِن الأعداء و الأصدقاء على السواء! فما الإشكال في الإنسان الذي دخل الإسلام و حصل على نتائجه الغائيّة التي تتلخّص في التوحيد في الذات و الصفة فيصبح قائلًا بـ «التوحيد في الوجود»! استبدلوا لفظة «التوحيد» بـ «الوحدة»؛ و بدأ العامّة من الناس الذين هم كالأنعام غافلين عن أيّ عِلم بضرب رؤوس الموحّدين بهراوة الوحدة الوجوديّة. و صبغوهم بصبغة نجس العين تحت شعار الكافر الملحد الزنديق الفاسق حتى يمنعوا الناس عنهم.
إن مخالفة المعتقدين بوحدة الوجود هي تعبير آخر لمخالفة أهل التوحيد؛ اي الموحّدين.
إن مشركي العرب و خاصّة قريش الذين كانوا يناجزون الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله إنّما كانوا يقومون بذلك على أساس انكارهم للتوحيد و وحدانيّة المبدأ و المعاد و جميع الامور الأخرى المتعلّقة بهما.
كانوا يقولون: أن هذا الرجل زنديق و ملحد، إنّه ساحر، إنّه يدعو إلى التوحيد؛ و هذا خروج على ديننا و عقيدتنا و سنّة آبائنا. إنّه رجل نَجَس و العياذ بالله! أو كانوا ينادون بقتله بجريرة هذا الجُرم أو ذاك، أو إخراجه من مدينتهم و ديارهم، أو تقويض داره على رأسه، أو عزله و إقامة الحصار
