
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
187فقال «محيي الدين»:
وَ في كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ *** تَدُلُّ عَلَى أنَّهُ عَيْنُهُ ثمّ تحامل و تقحّم إلى ما هو أكثر صراحة و أعظم، حيث قال:
سُبْحَانَ مَنْ حَجَّبَ نَاسُوتَهُ *** نُورُ سَنَا لَاهُوتِهِ الثَّاقِبِ ثُمَّ بَدَا في خَلْقِهِ بَارِزاً *** بِصُورَةِ الآكِلِ وَ الشَّارِبِ و مشى على هذه السبيل الصعبة كثير من شعراء العرب و عرفائهم في القرون الوسطى، و قد رفع لواءهم ابن الفارض۱ في أكثر شعره، لا سيّما تائيّته الصغرى و كذا الكبرى التي يقول فيها:
هُوَ الواحِدُ الفَرْدُ الكَثِيرُ بِنَفْسِهِ *** وَ لَيْسَ سِوَاهُ أن نَظَرْتَ بِدِقَّةِ بَدَا ظَاهِراً لِلْكُلِّ في الكُلِّ بَيْنَنَا *** نُشَاهِدُهُ بِالعَيْنِ في كُلِّ ذَرَّةِ فكلّ مشاهد محسوس من الذرّة الصغيرة إلى الجبل الشامخ، و من العرش إلى الثرى هي أطواره و أنواره و مظاهره و تجلّياته.
و هو الوجود الحقّ المطلق و لا شيء غيره، فإذا قلتَ لهم: فالأصنام و الأوثان؟ يقول لك العارف الشبستريّ:
مسلمان گر بدانستى كه بت چيست *** بدانستى كه دين در بتپرستى است٢ و إذا قلتَ: فالقاذورات؟ قالوا: نور الشمس إذا وقع على النجاسة هو ذلك النور الطاهر و لا تؤثّر عليه النجاسة شيئاً.
- شرف الدين أبو القاسم عمر بن على الحمويّ المصريّ، العارف المشهور صاحب القصيدة التائيّة المعروفة، توفّي سنة (٦٣٢) هـ بالقاهرة - (التعليقة).
- يقول: «أيّها المسلم إذا أردت أن تعرف ماهيّة الصنم؛ فاعلم أنّما الدِّين يتلخّص في عبادة الصنم».
